التفاتٌ واجبٌ، إلى ما ظلّ طويلاً خارج مجال النظر والاهتمام. وأوجب ما ينطوى عليه، ويُعزز أثره، أنه جاء من قمة الهرم، وأعلى مستويات القرار فى الدولة.
وإذا أطلّ الرئيس على هامش، فإنها يصير مَتنًا بالضرورة. ما يرفع حرارة الملف، ويختزل فى ظاهره المُعلَن، توجيهًا عموميًّا لا يحتمل الاجتزاء أو التلكّؤ، وليس للحضور فحسب، فكأنه تنبيه بالأعلى على الأدنى، كما يقول أهل الفقه والبلاغة.
والقصدُ، أن كلام السيسى قبل يومين، بشأن تُراث ماسبيرو المسموع والمرئى، واستكمال أعمال الرقمنة والإتاحة، لا يخص الهيئة الوطنية للإعلام وحدها، ولا بقيّة المُمثَّلِين فى الاجتماع حصرًا، ويتخطّى أيضًا حدود المبنى الكائن على كورنيش النيل.
ما من بلدٍ أُهمِلَت ثرواته، وضاعت عليه فُرص الاستثمار فى موجوداته الثمينة، مثلما فعلنا أو فُعِلَ بنا، من القديم القديم وإلى حاضرنا المُقيم، لا نعبأ بالذاكرة، ونستخف بالمادىّ فيها، فما بالك بالمعنوىّ!
وليس أدلّ من آثارنا المُهربة طوال قرون، ومئات آلاف القطع فى كل متاحف الدنيا، ولدى التُجّار والسماسرة. وإن وسّعنا القوس، لوجدنا القصة الحزينة نفسها تتكرّر فى كل زاوية وباب.
غُزاة سرقوا ونهبوا، وعابرون حملوا ما استطاعوا، ومُفرّطون تربّحوا على حساب الهُوية والوطن. نزح العثمانيون التُحف وصُنّاعها، وكذلك فعل الفرنسيون والإنجليز وغيرهم، وبيعت وثائق ومُدوّنات، لو وقفنا عليها لرأينا أول الدنيا وآخرها معًا!
على طول تاريخ مصر، تمتد أعمال الاستنزاف والإهدار. وما فات مات، ويعزّ فيه الاستدراك والاسترجاع، غير أن العناية بالأمر الآن، ومن رأس السلطة، تُطمئن إلى الانشغال بالقيمة والأثر، وأن ما جرى عصىّ على التكرار.
فوجئت بالرقم الذى أورده بيان المُتحدّث الرئاسى، عن نحو مليون شريطٍ تحتوى على ثمانمائة ألف ساعة من المحتوى، ما يُمثل نحو تسعين سنة أو يزيد إن وُضِع فى قائمة تشغيل مُتّصلة!
نتحدث عن آلاف البرامج واللقاءات والحفلات والسهرات الدرامية، عروض مسرحية ومسلسلات وأغانٍ، وأحداث سياسية واجتماعية ووطنية.
مُدوّنة بصرية للبشر والحجر، العُمران وتخطيط المدينة وذاكرتها، والوقائع وانعكاساتها، واللغة والذوق والملبس وبقية مكوّنات الثقافة بمعناها الأنثروبولوجى وديناميكيتها اليومية.
ولا أعرف إن كان الحساب ناتجًا عن حصر وفهرسة علميَّين، أم أنه بنمذجة حسابية تقديرية للوقت وقنوات الإنتاج والعرض. وما إذا كان الحديث عن رصيدٍ قائم، أم مُتخَيَّل، أى هل كل ما لدينا، أم ما تبقّى بعدما تفشّى فيه الجراد واللصوص.
يعرف المُهتمون، أن آلاف الشرائط بُدِّدت، أكان بالسرقة أم التلف أم إعادة التسجيل عليها. ضاعت مئات المسرحيات وحلقات الدراما والمُقابلات، ولم يتبقّ لنا إلا فصل وبضع مشاهد من أعمال إسماعيل يس مثلاً، بينما فُقِدَت قوائمُ فِرَق وفنانين ومُذيعين ببرامجهم ومواسمها الكاملة.
لقد كُنّا أثرياء لدرجة ألا نهتم، ومُهمِلِين لحدّ أن نترك مادّة لا تُقدّر بثَمن للعثّة والحشرات واللصوص. ولو استفاقت الدولة قبل عقدين أو ثلاثة، لربما أنقذت ضعف ما تحت يدها الآن أو يزيد.
عشت سنوات أتحسّر على ما ينشره المُخرج الكبير الراحل جميل المغازى، بين الفرح بمُطالعة الكنوز المعروضة، والأسى لأن أضعافها مطمور فى أقبية ماسبيرو، والارتباك أمام أسئلة الملكية والاستحقاق.
ولطالما انشغلت بجدليّة مُربكة: هل من حق الرجل أن يبثّ ما نراه؟ وهل الأفضل أن يعرضه حتى وإن لم يملكه، أم أن يتركه للضياع فى مخابئه المُظلمة؟
وحقيقة، لم أنجح فى التوصّل إلى حسم أخلاقى، ولا من جهة الحقوق أيضًا. فلم أعرف هل تحصّل على ما معه بصفة المخرج أم المُنتج، وهل له فيها نصيب شرعى، أم اعتبرها من قَبيل الغنيمة التى لا صاحب لها!
المُهمّ، أن ما رأيناه على صفحات المُغازى، تكرّر على نواحٍ شتّى، وإن لم نرَه أو نسمع به. ملأت قنوات محلية وإقليمية مكتباتها من خزائن التليفزيون الرسمى، وما عرفنا كيف وبكم ومع أى طرفٍ تعاقدت!
الرئيس يتداخل مع قضية بالغة الأهمية، تقع فى نطاق الذاكرة والهُوية والاتصال الثقافى والحضارى للمُجتمع. وما يُقال فى ماسبيرو، ينطبق على قائمة طويلة من الجهات العامة والخاصة.
المؤسسات الصحفية القومية، والجرائد الحزبية والأهلية، ودار الكتب والوثائق، وشركات الإنتاج الفنى، ومحطات الإذاعة والقنوات الخاصة، بل مُكاتبات الحكومة والهيئات التابعة، والأوراق الصغيرة قبل الكبيرة فى كل إدارة وحى ومكتبٍ ووحدة محليّة.
التوثيق مسؤولية جماعية، وثروة واجبة الحفظ، بعيدًا عن طبيعة المُنتفعين بها وقتيًّا. والشراكة ضرورية فى إنجاز عملية الرقمنة والحفظ، ثم يُنظَر فى الحقوق وآليات الاستغلال وفق الضوابط القانونية.
قبل أيام كان افتتاح المهرجان القومى للمسرح، وأُثيرت مسألة التصوير وتوثيق العروض خلال الحفل. والدعوة مُهمة، بالرغم من مُفارقة المصدر، إذ ما تجادلنا وسنتجادل فيه بشأن ماسبيرو، فوّتنا أضعافه فى أنحاء مصر.
آلاف العروض سنويًّا فى مسرح الدولة والثقافة الجماهيرية والجامعات والكنائس والأندية ومراكز الشباب، آلاف الحفلات والبرامج الفنية، وأضعافها من الندوات العلمية والأدبية والفنية فى قصور الثقافة والمؤسسات المُجتمع المدنى وغيرها.
خُطَب وحلقات عِلم وورش تعليم وتأهيل.. ملايين الساعات تطير فى الهواء، ولا نحتاج أكثر من كاميرا ومنصّة، لنُتيح للناس معارف ومُتعًا وترفيهًا وتثقيفًا وإثراء سمعيًّا وبصريًّا بلا حدود!
حديث الرئيس دفعةٌ مهمة للملف، وفى واحدة من أعرق وأهم خزائن المُحتوى والذاكرة. ولتكُن الخطوة بداية لاهتمام أكبر بالتوثيق عمومًا.
أتطلّع لأرشفة ورقمنة كل المكتبات العريقة، ودور حفظ الوثائق والمخطوطات. الرسائل العلمية بالجامعات، والمُحاضرات وكُتب الأساتذة. الحفلات والندوات والأنشطة بطول مصر وعرضها، وعروض المسرح والغناء فى كل زمانٍ ومكان.
نمتلك ما لا يحلم به آخرون، ويُمكن أن يكون منجمَ ذهب، ومصدرًا مُستدَامًا للدخل، وإن لم يحدث، فأقلّه سيحفظ الذاكرة وشطرًا من الهُوية الوطنية الموزّعة بين البشر، ويُبقى الاجتماع والثقافة المُشتركة سلسلةً مُتّصلة، حيّة ومزدهرة، وقابلة للتداول والاستعادة والإزادة بلا انقطاع.
التوثيق حياة، ومعرفة، وأداة فحص وتدقيق وتجويد بقصدٍ ودون قصد. الجمع يُعزز الرصيد، والإتاحة تُضاعف فُرص التعرّض، والثقافة إن خالطت الناس وخالطوها فى يوميّاتهم، فستطرد الغثّ ببطء، وتسدّ ثغرات التربية والتقويم، وتكون أفضل عونٍ فى مهمة بناء الإنسان.