وسط تقلبات روحية وفكرية شهدتها مدينة الإسكندرية، عاصمة مصر القديمة، وضع القديس مار مرقس الرسول حجر الأساس لكنيسة عريقة أصبحت فيما بعد واحدة من أبرز الكنائس الرسولية في العالم. فالرسول مار مرقس، أحد السبعين رسولًا وأحد كتبة الأناجيل الأربعة، فكان مبشرًا بالمسيحية، وواضعًا لنظام كهنوتي متكامل، وساقيًا لبذرة الكنيسة بدم استشهاده.
وصل مار مرقس إلى مدينة الإسكندرية حوالي عام 43 ميلادية، بحسب أقدم المصادر التاريخية مثل كتابات يوسابيوس القيصري وتاريخ بطاركة الكنيسة القبطية، بينما ترجح مراجع أخرى تاريخًا متأخرًا، حوالي عام 61م، مستندة إلى أن استشهاده كان عام 68م. وخلال سنوات خدمته القليلة بالإسكندرية، استطاع أن يؤسس كنيسة قبطية مستقلة، برسالة واضحة، وهُوية مصرية خالصة ضمن الكنائس الأرثوذكسية في العالم.
مار مرقس بدأ كرازته من قلب مدينة الإسكندرية، التي كانت حينها ملتقى الفكر والفلسفة والديانات، ومركزًا عالميًا للمعرفة، حيث ازدهرت الحضارة الهلينية، وكان لليهود وجود مؤثر فيها. وتمكن مار مرقس من كسب أول مؤمن مصري، وهو "أنيانوس"، الذي صار أول أسقف للكنيسة، كما أقام معه ثلاث كهنة وسبعة شمامسة، وبهذا أسس الهيكل الكهنوتي الذي ما يزال يُتبع حتى اليوم.
ويُعتبر مار مرقس واضع أول قداس قبطي يُعرف اليوم بالقداس الكيرلسي، بعد أن دونه البابا كيرلس الأول، البابا رقم 24 في سلسلة بطاركة الكنيسة. كما أسس مار مرقس مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، التي صارت أول معهد لاهوتي منظم في العالم المسيحي، وعين "يوستس" مديرًا لها.
أما لقب "بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية"، فهو مستمد من تأسيس مار مرقس للكنيسة في الإسكندرية، التي كانت المركز الأول للكرازة المسيحية في مصر، ومنها انتشر إلى باقي البلاد. فكلمة "بابا" تعني "أب" وهي تعبير عن أبوة روحية، ويُنسب اللقب إلى مدينة الإسكندرية باعتبارها مقر الكرسي الرسولي الذي أسسه مار مرقس. أما "بطريرك الكرازة المرقسية"، فهو تأكيد على امتداد رسالة مار مرقس الكرازية في مصر وأفريقيا وآسيا، وما يزال بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يُعرفون بهذا اللقب حتى اليوم، كالبابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
نهاية مار مرقس كانت مأساوية، لكنها شكلت بداية الطريق للكنيسة القبطية، حيث استشهد بعدما جُرّ في شوارع الإسكندرية بالحبال على يد الوثنيين أثناء احتفالهم بعيد الإله سيرابيس، في نفس وقت احتفال الكنيسة بعيد القيامة. وظهر له السيد المسيح في رؤيا قبيل استشهاده، مؤكدًا له أن اسمه لن يُنسى. ونال إكليل الشهادة يوم 30 برمودة سنة 68م، ليُسجل التاريخ بدء زمن الاستشهاد في الكنيسة القبطية. ومنذ ذلك الحين، تُحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تذكار استشهاده كل عام، باعتباره مؤسس الكرسي الرسولي.
يذكر أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحتفل، بذكرى استرداد رفات القديس مارمرقس من روما، يوم 22 يونيو من كل عام، وذلك في حبرية البابا كبرلس السادس، وهو البابا المائة والسادس عشر في سلسلة باباوات الكرسي الإسكندري، وكان البابا كيرلس السادس قد انتدب وفدًا رسميُا للسفر إلى روما لتسلم رفات القديس مرقس الرسول من البابا بولس السادس. وتألف الوفد من عشرة من المطارنة والأساقفة بينهم ثلاثة من المطارنة الأثيوبيين ومن ثلاثة من كبار أراخنة القبط.