أقطع هنا سلسلة الكتابة عن (تاريخ) وزراء الثقافة عبر الزمن بعد ثورة يوليو 1952 وبداية اهتمام الدولة بالشأن الثقافي ربما إدراكا منها بأهميته في دفع الشعب الي المشاركة في تحقيق اهداف الحركة التي تحولت الي ثورة عبر اجراءات شعبية أعادت بعض الحقوق الي اصحابها مثل الاصلاح الزراعي الذي لم يلتفت أحد الي عيوبه وأهمها تفتيت الملكية الزراعية عبر الميراث وبالتالي عدم التحكم في نوعية وجودة المحصول (وهو أمر كان من الممكن معالجته عن طريق المزارع الجماعية وليس عبر-خطة- غير ملزمة).. وكان حديث جمال عبد الناصر زعيم الثورة المصرية عن تأثره برواية لتوفيق الحكيم هي (عودة الروح) وحبه لفن السينما لدرجة وجود الة لعرض الأفلام داخل منزله ثم أدي التنوع بين ثقافات صغار الضباط الذين قاموا بالثورة الي وجود أشخاص من ابناء الطبقة الوسطي المصرية متنوعي الثقافة مثل ثروت عكاشة ويوسف السباعي وحتي أحمد مظهر وصلاح ذو الفقار وغيرهم ..
كان ثروت عكاشة قائدا لسلاح الفرسان بالجيش المصري وأحد الضباط الأحرار ثم عين ملحقا عسكريا بباريس ثم سفيرا لمصر في ايطاليا وفي كل هذه الوظائف الحكومية لم ينس دوره كمثقف فأصدر موسوعة فنية هائلة بعنوان (العين تسمع والأذن تري) وأصدر -بطباعة فاخرة- سلسلة كتب تحفل بلوحات عصر النهضة كما ترجم كثير من أمهات الكتب الفنية والأدبية وعندما كلفه عبد الناصر بتولي الوزارة خاطبه قائلا:"مهمتك تمهيد المناخ الثقافي لاعادة صياغة الوجدان الوطني والقومي والأخلاقي، وبناء الانسان أصعب جدا من بناء المصانع"
وبعد ذلك قال ثروت عكاشة انه سمع بخبر تعيينه وزيرا للثقافة والإرشاد القومي من الإذاعة دون استشارته وأنه قرر رفض المنصب، ولكنه بعد أن قدم لعبد الناصر كل مبررات الرفض قال له عبد الناصر " لا أخفي عليك أن كل حديث كان يدور بيننا حول تنمية الثقافة والفنون كان يجعل صورتك تتراءى في خيالي وأذكر حديثنا قبل الثورة عن انحصار المتعة الثقافية وبخاصة الفنون الراقية في رقعة ضيقة لا تتجاوز الأثرياء. وكيف ينبغي أن تصبح الثقافة في متناول الجماهير العريضة وأن تخرج من أسوار القاهرة والإسكندرية لتبلغ القري والنجوع فمن بين أبناء هذه القري الغائره في أعماق الريف بالدلتا والصعيد يمكن ان يبزغ كثير من الفنانين والادباء الذين يعكسون في ابداعاتهم أصالة مصر الحضارية.
والحقيقة ان إنجازات (عكاشة) لا يمكن حصرها بداية بدوره الرائع في انقاذ اثار النوبة من الغرق بعد تحويل مجري نهر النيل اثناء بناء السد العالي..
دفع عكاشة بكل عناصر القوي الناعمة المصرية فقامت نهضة مسرحية وإنتاج سينمائي وموسيقي وفنون تشكيلية بعد انشاء منظومات ثقافية ومؤسسات لم يتكرر حدوثها مع أي وزير لاحق مثل" المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب " الذي تحول الان الي "المجلس الأعلى للثقافة " والهيئة العامة للكتاب ودار الكتب والوثائق القومية وأكاديمية الفنون بمعاهدها الفنية المتخصصة(سينما-مسرح-نقد-موسيقي) وتأسيس فرق دار الاوبرا المصرية مثل أوركسترا القاهرة السيمفوني وفرق الموسيقي العربية والسيرك القومي ومسرح العرائس وانشاء قاعة(سيد درويش) بالأكاديمية. ودوره في إرساء قاعدة (عيد الفن والثقافة) حيث كان الرئيس عبد الناصر يقوم فيه بتكريم الفنانين والمثقفين المصريين، وانشاء قصور الثقافة بأغلب أقاليم مصر ومعهد الباليه والكونسر فتوار والفرق القومية للفنون الشعبية. وعروض الصوت والضوء للآثار المصرية.
كان عكاشة شخصية تبغض(الصراعات) وتميل الي الإنجازات الصامتة، ولكنه في النهاية أحس بعدم جدوى ما يصنع من عمل في ظل حملات شنها عليه أصحاب المصالح الضيقة مما دفعه الي الاستقالة التي قدمها للرئيس أكثر من مرة وفي كل مرة كان الرئيس يرفض حتى انه ابلغ المشير عامر حين حادثه في أمر استقالة عكاشة:" أبلغ ثروت عكاشة أن حكومة الثورة لا تقبل استقالة أي من أعضائها".. أو هكذا قال د. صابر عرب وزير الثقافة الأسبق خلال ندوة في معرض القاهرة للكتاب 2020