شهدت السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في طبيعة الخطاب الإعلامي الصادر عن المنصات المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية، حيث اتجهت تلك المنصات إلى تكثيف المحتوى التحريضي عبر البرامج الحوارية والبث المباشر ومواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة للحفاظ على حضورها في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي والرقمي.
ويرى متخصصون في الإعلام أن الجماعة اعتمدت خلال السنوات الماضية على شخصيات إعلامية ومقدمي برامج لبث رسائلها السياسية والتعليق على التطورات المختلفة، مع التركيز على المنصات الرقمية التي تتيح سرعة الوصول إلى الجمهور، وتقلل من تكلفة التشغيل مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.
ويؤكد خبراء أن هذه المنصات تسعى إلى إعادة تدوير الرسائل السياسية بصورة مستمرة، عبر تناول القضايا اليومية وربطها بخطابها العام، مستفيدة من طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي التي تسمح بانتشار المحتوى خلال وقت قصير.
وهذا النمط من الخطاب يعتمد بصورة كبيرة على إثارة الجدل واستقطاب المتابعين، مع توظيف العناوين المثيرة والمقاطع القصيرة التي يسهل تداولها، وهو ما أصبح سمة رئيسية في كثير من المنصات السياسية على الإنترنت، وليس فقط تلك المحسوبة على جماعة الإخوان.
ويشير متخصصون إلى أن البيئة الرقمية فرضت على جميع الفاعلين السياسيين والإعلاميين تغيير أدواتهم، إلا أن نجاح أي محتوى بات مرتبطًا بدرجة المصداقية، وقدرته على تقديم معلومات دقيقة ومدعومة بالمصادر، في ظل تنامي أدوات التحقق وانتشار منصات تدقيق المعلومات، وتراجع التأثير التنظيمي للجماعة انعكس على خطابها الإعلامي، حيث أصبح التركيز أكبر على التفاعل الرقمي، ومحاولة الحفاظ على قاعدة المتابعين، أكثر من القدرة على توسيع دائرة التأثير كما كان في مراحل سابقة.
كما يؤكد خبراء الإعلام الرقمي أن المنافسة الشديدة على المنصات الإلكترونية أدت إلى تغير أساليب إنتاج المحتوى، فأصبحت البرامج تعتمد على الإيقاع السريع، والعناوين الجاذبة، والتفاعل المباشر مع الجمهور، وهي أدوات تستخدمها مختلف الاتجاهات السياسية والإعلامية.
وفي والمتلقي أصبح أكثر قدرة على مقارنة الروايات المختلفة، والرجوع إلى المصادر الرسمية أو المستقلة، وهو ما جعل تأثير الرسائل الإعلامية مرتبطًا بدرجة كبيرة بمدى دقتها وقابليتها للتحقق، والتحولات الرقمية جعلت من الصعب احتكار تدفق المعلومات، حيث تتعدد المصادر وتتسارع وتيرة تداول الأخبار، الأمر الذي يفرض على الجمهور التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها أو تبنيها.
ومواجهة المعلومات المضللة لا تتحقق فقط عبر الرد عليها، وإنما أيضًا من خلال تعزيز الوعي الإعلامي، وتشجيع الجمهور على الاعتماد على المصادر الموثوقة، والتفرقة بين الرأي والخبر، وبين التحليل والوقائع المثبتة.
ومستقبل الخطاب السياسي على المنصات الرقمية سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسات الإعلامية والجمهور على التعامل النقدي مع المحتوى، والتحقق من المعلومات، وعدم الانسياق وراء الرسائل المثيرة التي تفتقر إلى الأدلة أو تعتمد على اجتزاء الوقائع، والتطور المستمر في وسائل الاتصال يفرض تحديات على جميع الأطراف، وأن الحفاظ على المصداقية والالتزام بالمعايير المهنية يظل العامل الأكثر تأثيرًا في بناء الثقة مع الجمهور، مهما اختلفت الاتجاهات السياسية أو طبيعة المنصات الإعلامية.