حسين عبدالبصير

القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباى.. حين يستعيد الحجر روحه

الأربعاء، 22 يوليو 2026 05:00 م


لا تُعد القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي مجرد مبنى أثري جميل في قلب صحراء المماليك بالقاهرة، بل هي واحدة من أروع الشواهد على ازدهار العمارة الإسلامية في العصر المملوكي، وتجسيد حي لفكرة أن الفن يمكن أن ينتصر على الزمن، ومع افتتاحها مجددًا بعد الانتهاء من مشروع ترميم علمي استغرق خمس سنوات، تستعيد هذه التحفة مكانتها بوصفها إحدى أهم جواهر القاهرة التاريخية.

أنشأ السلطان الأشرف قايتباي مجموعته المعمارية الشهيرة في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، لتضم مسجدًا ومدرسة وسبيلًا وكتابًا وقبة ضريحية، في نموذج متكامل يعكس رؤية حضارية تجمع بين العبادة والعلم والعمل الخيري والخلود الرمزي، وقد أصبحت هذه المجموعة من أرقى نماذج العمارة المملوكية، لما تتميز به من تناسب معماري ودقة زخرفية وإبداع هندسي.

وتأتي القبة الضريحية في قلب هذه المجموعة، حيث تضم رفات السلطان الأشرف قايتباي وابنه السلطان محمد، وتتميز بقبتها الحجرية ذات الزخارف الهندسية والنباتية الدقيقة التي تُعد من أبدع ما وصل إليه فن نحت الحجر في العصر المملوكي. كما يحيط برقبة القبة شريط كتابي بخط الثلث البارز يحمل آيات قرآنية، وينتهي بتاريخ إنشائها سنة 879هـ، في انسجام يجمع بين الجمال الفني والروحانية.

وفي داخل القبة، تتناغم الأرضيات الرخامية الملونة مع المحراب الغني بالزخارف المذهبة، والشبابيك الجصية المعشقة بالزجاج الملون، والعناصر الخشبية والرخامية التي تعكس ذوقًا فنيًا رفيعًا. وتضم القبة أيضًا حجرًا من البازلت الأسود ارتبط عبر القرون بتقاليد شعبية ترى أنه يحمل بصمات قدمي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما منح المكان بعدًا روحيًا لدى الزائرين، إلى جانب قيمته الأثرية والمعمارية.

وقد مثّل مشروع الترميم نموذجًا يحتذى به في الحفاظ على التراث، إذ بدأ بمرحلة شاملة من التوثيق والدراسات الأثرية والمعمارية، ثم انتقل إلى أعمال الترميم الدقيقة باستخدام أحدث الأساليب العلمية والمواد المتوافقة مع طبيعة الأثر.

وشملت الأعمال تنظيف الأحجار، ومعالجة الرطوبة والأملاح، وتدعيم الجدران، وترميم الزخارف الحجرية والرخامية والخشبية، وإحياء الكتابات القرآنية والزجاج الملون، بما حافظ على أصالة المبنى واحترام قيمته التاريخية.

ولا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على إنقاذ مبنى أثري فريد، بل تمتد إلى إعادة الحياة إلى منطقة صحراء المماليك، إحدى أغنى مناطق القاهرة التاريخية بالآثار الإسلامية، بما يسهم في جذب الزائرين والباحثين، وتعزيز السياحة الثقافية، وإبراز القيمة العالمية للتراث المصري.

كما يؤكد هذا المشروع أن حماية التراث مسئولية مشتركة تتكامل فيها الخبرات الوطنية مع التعاون الدولي، وأن الاستثمار في صون الآثار هو استثمار في الهوية والاقتصاد والثقافة معًا. فالتراث ليس بقايا من الماضي، بل هو رصيد للمستقبل، ومن خلال الحفاظ عليه نحافظ على الذاكرة الحضارية التي تمنح الأمم تميزها واستمرارها.

إن القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي ليست مجرد شاهد على عصر مملوكي مجيد، بل رسالة معمارية وفنية وإنسانية تؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر على عبور القرون. وكل حجر فيها يروي قصة حضارة آمنت بأن الجمال قيمة خالدة، وأن ما يُبنى بإتقان واحترام للإنسان وللفن يبقى حيًا، مهما تعاقبت الأزمنة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة