فى السادسة صباحا، لم تستيقظ «نرمين محمد عبدالرحيم» على منبهها المعتاد، وإنما على مواء حاد ونباح جماعى أمام منزلها بالدور الأرضى، وعندما نظرت من النافذة فوجئت بأكثر من عشرة كلاب ضالة تحاصر قطة صغيرة لا يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر، فى مشهد وصفته بأنه أشبه بمطاردات الحياة البرية.
وتروى «نرمين» أنها شاهدت الكلاب تنهش القطة وتحاول افتراسها، ولم تجد أمامها سوى التدخل لإنقاذها، فاندفعت إلى الشارع وهى تحمل «عصا مقشة» وتطلق الصيحات لإبعاد الكلاب، ورغم تكسر العصا فى يدها واكتفاء بعض حراس العقارات والعمال بالمشاهدة، نجحت فى تخليص القطة ونقلها إلى المستشفى البيطرى العسكرى.
وأظهرت الفحوصات والأشعة إصابة القطة بكسر فى العظمة الرابطة بين الفخذ والحوض، وهو كسر تعذر تجبيره أو إجراء جراحة له فى هذا العمر، إضافة إلى جروح غائرة فى الظهر والذيل وإصابة شديدة بالبطن استلزمت برنامجا علاجيا يعتمد على المطهرات والمضادات الحيوية.
وتؤكد «نرمين»، المهتمة بإنقاذ القطط، أن هذه الواقعة ليست حالة فردية، وإنما تعكس ظاهرة رصدتها خلال الأشهر الماضية، تتمثل فى تراجع أعداد القطط بالشوارع بصورة لافتة، حتى إن العثور على ثلاث أو أربع قطط فى شارع واحد أصبح أمرا نادرا، بينما تبدو القطط المتبقية مصابة بجروح وندبات، وهو ما تربطه بتكرار مشاهد هجوم الكلاب الضالة التى تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعى.
وترى أن اختفاء القطط بدأ ينعكس على البيئة المحيطة، مع ظهور القوارض، خاصة الفئران والعرس، فى مناطق لم تكن تعانى منها سابقا، معتبرة أن غياب القطط، بوصفها أحد المفترسات الطبيعية لهذه القوارض، أخل بالتوازن البيئى داخل الأحياء السكنية.

القطة المصابة
كما تشير إلى أن الإطعام العشوائى للكلاب الضالة ساهم فى زيادة أعدادها وتحولها إلى مجموعات أكثر عدوانية تجاه الكائنات الأضعف، مؤكدة أن التدخل لإنقاذ القطط أصبح يعرض المواطنين، خاصة السيدات، لمخاطر مباشرة فى ظل تزايد أعداد الكلاب بالشوارع.
ولفهم هذه الظاهرة، يرى عدد من المتخصصين أن ما تشهده بعض المناطق يرتبط باختلال فى منظومة التوازن البيئى داخل المدن، وتشير الدراسات البيئية إلى أن القطط تؤدى دورا مهما فى الحد من انتشار القوارض، بينما يؤدى اختلال العلاقة بين الحيوانات التى تتشارك مصادر الغذاء إلى سيطرة الفصيل الأقوى على نطاق وجوده.
وفى هذا السياق، يفسر متخصصون ما يعرف بمبدأ «الإقصاء التنافسى»، والذى يقوم على أن الفصيل الأقوى والأكثر عددا يستطيع إزاحة الفصيل الأضعف من البيئة التى يتشاركان فيها مصادر الغذاء، وهو ما قد يدفع القطط إلى مغادرة بعض المناطق أو يعرضها للافتراس المباشر، بما ينعكس على أعدادها فى الشوارع.
كما تشير دراسات بيئية إلى أن وجود القطط لا يقتصر على افتراس القوارض، وإنما يسهم أيضا فى الحد من انتشارها من خلال ما يعرف بمنطقة الردع الفيرومونية، إذ تدفع الروائح الصادرة عن القطط الفئران إلى تجنب المناطق التى تتواجد فيها، وهو ما يفسر، بحسب هذه الدراسات، ارتباط تراجع أعداد القطط بزيادة ظهور القوارض فى بعض المناطق السكنية.
وأكدت الناشطة فى حقوق الحيوان، دينا ذو الفقار، عدم وجود علاقة طردية مباشرة بين ما يثار حول انخفاض أعداد القطط وظهور الزواحف والثعابين، موضحة أن الثعابين موجودة فى مصر بصورة طبيعية، خاصة فى المناطق الزراعية والصحراوية، وأن ظهورها يرتبط بعوامل مناخية مثل ارتفاع درجات الحرارة أو السيول، كما حدث فى أسوان سابقا.
وقالت دينا ذو الفقار، إن القطط والكلاب لا تزال موجودة فى الشوارع، ويختلف توزيعها من منطقة لأخرى وفق طبيعة المكان، مشيرة إلى أن استئناس الإنسان لهذه الحيوانات منذ عصر المصريين القدماء لم يكن مصادفة، وإنما لما تؤديه من دور فى التنبيه إلى الأخطار والحيوانات المفترسة والزواحف.
وأضافت أن وجود الكلاب والقطط فى المناطق السكنية يمثل جزءا من المنظومة البيئية، مستشهدة بالمحميات الطبيعية فى مصر، التى يمنع فيها وجود الكلاب والقطط المستأنسة حفاظا على الحيوانات البرية والزواحف، معتبرة أن ذلك يعكس تأثير هذه الحيوانات فى البيئة المحيطة، وأن وجودها داخل المدن يسهم فى الحد من تسلل بعض الزواحف إلى المناطق السكنية، محذرة من أن غيابها قد يؤدى إلى فقدان أحد عناصر التوازن البيئى.
من جانبه، أكد الدكتور مصطفى الجعفرى، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطرى بجامعة القاهرة، أن تراجع أعداد القطط فى الشوارع أصبح ظاهرة ملحوظة، مستندا إلى مشاهداته الشخصية، وشهادات المواطنين، فضلا عن المقاطع المصورة التى توثق هجمات الكلاب الضالة على القطط فى عدد من المناطق.
وأوضح الدكتور مصطفى الجعفرى، أن الكلاب الضالة تمثل العدو الطبيعى للقطط، وأن الزيادة الكبيرة فى أعدادها أدت إلى تراجع القطط، سواء من خلال الافتراس المباشر أو دفعها إلى الهروب من المناطق التى تسيطر عليها قطعان الكلاب، وأضاف أنه استنادا إلى دراسة سابقة أجرتها منظمة «WSPA» العالمية بالتعاون مع جمعيات محلية عام 2015، والتى قدرت أعداد الكلاب فى مصر آنذاك بنحو 15 مليون كلب، فإن الأعداد الحالية قد تصل، وفق معدلات التكاثر، إلى نحو 40 مليون كلب ضال.
وربط الدكتور مصطفى الجعفرى بين تراجع أعداد القطط وتزايد ظهور القوارض، معتبرا أن انخفاض أعداد القطط أفسح المجال لانتشار الفئران، وهو ما قد يجذب بدوره الثعابين التى تتغذى عليها، مؤكدا أن السبب الرئيسى لاختفاء القطط ليس حملات التسميم كما يردد البعض، وإنما الزيادة الكبيرة فى أعداد الكلاب الضالة.
وأشار إلى أن التاريخ المصرى القديم شهد فترة انخفضت خلالها أعداد القطط المصرية، الأمر الذى أدى إلى زيادة القوارض والزواحف، ما دفع المصريين القدماء إلى استيراد أعداد من القطط الحبشية لإعادة التوازن البيئى، معتبرا أن الواقع الحالى يعيد طرح القضية نفسها بصورة مختلفة.
كما انتقد الدكتور مصطفى الجعفرى التقليل من حجم الظاهرة، مؤكدا أن المشاهد المتكررة لهجوم الكلاب الضالة، إلى جانب تزايد الحديث عن انتشار القوارض، تستوجب دراسة الظاهرة بصورة علمية، مع استمرار جهود الدولة فى التعامل مع ملف حيوانات الشارع.
وفى السياق ذاته، أكد الدكتور أحمد البندارى، وكيل النقابة العامة للأطباء البيطريين، وجود تراجع ملحوظ فى أعداد القطط داخل شوارع القاهرة وعدد من الأحياء السكنية، مشيرا إلى أن العثور على أعداد كبيرة منها أصبح أقل من السابق.
وأوضح الدكتور أحمد البندارى، أن هذا التراجع يرتبط بعدة عوامل، فى مقدمتها الزيادة فى أعداد الكلاب الضالة وما تسببه من إزاحة للقطط، إلى جانب تطوير منظومة جمع القمامة فى بعض المناطق، وهو ما أدى إلى تقليل مصادر الغذاء التى كانت تعتمد عليها القطط، فضلا عن الأوضاع الاقتصادية التى حدّت من قدرة بعض المواطنين على إطعام قطط الشوارع أو استضافتها داخل المنازل.
وحذر من أن تراجع أعداد القطط قد ينعكس على انتشار القوارض، مستشهدا بما عرف عن القطط عبر التاريخ من دور فى حماية مخازن الغذاء من الفئران والآفات، وهو ما يفسر المكانة التى حظيت بها فى الحضارة المصرية القديمة.
من ناحية أخرى، نفت مصادر مسؤولة بهيئة الخدمات البيطرية ما يتم تداوله بشأن انخفاض أعداد القطط فى الشوارع، ووصفت هذه الأحاديث بأنها «ادعاءات» لا تستند إلى مؤشرات رسمية، مؤكدة أن القطط لا تزال موجودة بكثافة، خاصة فى المناطق التى تتوافر بها مصادر الغذاء، مثل النوادى الاجتماعية، والمناطق المحيطة بالمطاعم، والمنشآت التى تشهد تجمعات بشرية مستمرة.
وأوضحت المصادر، فى تصريحات لـ«اليوم السابع»، أن ملاحظة تراجع أعداد القطط فى بعض الشوارع لا تعنى انخفاضها عدديا، وإنما ترجع إلى تحسن منظومة جمع القمامة ورفع كفاءة أعمال النظافة، وهو ما دفع القطط إلى الانتقال إلى أماكن أخرى تتوافر بها مصادر الغذاء، مؤكدة أن القطط بطبيعتها سريعة التكيف وتعيد توزيع وجودها وفق البيئة المحيطة.
كما رفضت المصادر الحديث عن احتمالات انقراض القطط أو تعرضها لتراجع حاد، مشيرة إلى أن معدلات تكاثرها مرتفعة، إذ يمكن للقطة الواحدة أن تلد حتى أربع مرات سنويا، بعدد مواليد يتراوح بين 8 و12 قطة فى المرة الواحدة، معتبرة أن الطبيعة البيولوجية لهذا الحيوان تضمن استمرار أعداده، حتى فى ظل الضغوط البيئية.
وأضافت أن التوسع العمرانى وإنشاء المدن الجديدة فى مناطق كانت تمثل بيئات طبيعية للحيوانات أدى إلى إعادة توزيعها جغرافيا، وليس إلى اختفاء القطط من الشوارع.
وفى سياق متصل، قالت وزارة الزراعة إنه تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى، بتعزيز التكامل بين مختلف مؤسسات الدولة، تم تشكيل لجنة للعمل على تعديل سياسات القطاع البيطرى، بعضوية الجهات المعنية، لتوحيد الجهود فى جميع الملفات المرتبطة بالقطاع، ووضع حد للممارسات العشوائية، إلى جانب رفع وعى المواطنين بالقضايا المتعلقة بحيوانات الشارع.
وأعلنت الوزارة البدء الفورى فى تنفيذ الخطة الوطنية الشاملة لإدارة ملف حيوانات الشارع والتصدى للشائعات المتعلقة به، ضمن استراتيجية موحدة تستهدف الحفاظ على الأمن الصحى والبيئى.
وأكدت الوزارة التزامها بالمنهجية العلمية والبيطرية المعتمدة دوليا، والمتمثلة فى برنامج التعقيم والتحصين ضد مرض السعار وإعادة الإطلاق «TNR»، باعتباره المسار الطبى والعلمى والبيئى المعتمد دوليا لإدارة ملف كلاب الشارع والحفاظ على التوازن البيئى، وذلك اتساقا مع التزامات الدولة المصرية كعضو فى اتفاقية التنوع البيولوجى الدولية «CBD»، وإطار «كونمينغ-مونتريال» العالمى للتنوع البيولوجى، والمعايير الصادرة عن المنظمة العالمية للصحة الحيوانية «WOAH».
وفى المقابل، تباينت آراء الخبراء والمختصين حول أسباب تراجع أعداد القطط وتأثير ذلك على البيئة، فبينما ربط عدد منهم الظاهرة بزيادة أعداد الكلاب الضالة وما قد يترتب عليها من اختلال فى التوازن البيئى وانتشار القوارض، أكدت الجهات الرسمية أن القطط لا تزال موجودة، وأن ما يحدث يرتبط بإعادة توزيعها نتيجة تغير مصادر الغذاء وتحسن منظومة النظافة، فى وقت تواصل فيه الدولة تنفيذ خطة متكاملة لإدارة ملف حيوانات الشارع وفق الأسس العلمية المعتمدة.

p