كيف تبنى مصر مستقبلها المائى؟.. ارتفاع الطاقة الإنتاجية للتحلية من 84 ألف متر فى 2014 إلى أكثر من مليون متر حاليًا.. تشغيل محطات بالشراكة مع القطاع الخاص.. و14 مشروعًا جديدًا بطاقة إنتاجية 2.36 مليون متر مكعب

الأربعاء، 22 يوليو 2026 07:00 م
كيف تبنى مصر مستقبلها المائى؟.. ارتفاع الطاقة الإنتاجية للتحلية من 84 ألف متر فى 2014 إلى أكثر من مليون متر حاليًا.. تشغيل محطات بالشراكة مع القطاع الخاص.. و14 مشروعًا جديدًا بطاقة إنتاجية 2.36 مليون متر مكعب تحلية مياه البحر

كتبت أسماء نصار

لم تعد تحلية مياه البحر في مصر مجرد مشروعات هندسية لإقامة محطات على السواحل، بل أصبحت أحد أهم ملفات الأمن المائي، في ظل ثبات حصة مصر من مياه النيل، والزيادة السكانية، وتداعيات التغيرات المناخية، والتوسع العمراني والصناعي المتسارع.

ومع تنفيذ الدولة أكبر خطة قومية للتوسع في إنتاج المياه المحلاة، برز القطاع الخاص كشريك رئيسي في تمويل وإنشاء وتشغيل هذه المشروعات، بهدف توفير الاستثمارات الضخمة المطلوبة، مع الحفاظ على استدامة الخدمة وتقليل الضغوط على الموازنة العامة.

ويبقى التحدي الأساسي هو تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين جذب الاستثمارات وضمان وصول المياه للمواطنين بتكلفة عادلة.
 

من التمويل الحكومي إلى الشراكة
 


3 (7)


شهدت السنوات الأخيرة تحولًا في إدارة مشروعات التحلية، إذ انتقلت الدولة من الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي إلى نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، الذي تتولى من خلاله الشركات الخاصة تصميم وتمويل وإنشاء وتشغيل المحطات بعقود طويلة الأجل، بينما تحتفظ الدولة بملكية الأصول ودورها الرقابي.


ويوفر هذا النموذج التمويل والخبرات الفنية اللازمة لتنفيذ المشروعات الكبرى، لكنه في الوقت نفسه يفرض ضرورة صياغة عقود تضمن توزيعًا عادلًا للمخاطر، وتحافظ على حق المواطنين في الحصول على المياه بأسعار مناسبة.

 
3 (6)
 

طفرة غير مسبوقة في الإنتاج

تعكس لغة الأرقام حجم التطور الذي شهده قطاع التحلية خلال العقد الأخير، فقد ارتفعت الطاقة الإنتاجية من نحو 84 ألف متر مكعب يوميًا عام 2014 إلى 1.411 مليون متر مكعب يوميًا حاليًا، عبر 129 محطة تحلية موزعة على المحافظات الساحلية.


كما يجري تنفيذ 19 محطة جديدة بطاقة إنتاجية تبلغ 687 ألف متر مكعب يوميًا، لتتحول التحلية من مصدر مكمل لمياه الشرب إلى أحد الأعمدة الرئيسية في منظومة الأمن المائي المصري.

 

استراتيجية تمتد حتى 2050

ووضعت الدولة ملف الأمن المائي في صدارة أولوياتها، وأطلقت استراتيجية لتحلية مياه البحر تمتد حتى عام 2050، بهدف تلبية الطلب المتزايد على مياه الشرب، ودعم خطط التنمية العمرانية والصناعية، مع توطين التكنولوجيا وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.


وفي هذا الإطار، أكدت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، أن الاستراتيجية ترتكز على أربعة محاور رئيسية موزعة على ست خطط خمسية، تستهدف تأمين احتياجات مياه الشرب ومواكبة التوسع العمراني.


وأوضحت أن مصر تمتلك حاليًا 129 محطة تحلية بطاقة إنتاجية تبلغ 1.411 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب 19 محطة قيد التنفيذ بطاقة إضافية تصل إلى 687 ألف متر مكعب يوميًا.


وأضافت أن الوزارة تعمل وفق مسارين متوازيين؛ الأول يركز على تشغيل المحطات القائمة بنظام الشراكة مع القطاع الخاص، ويضم 11 مشروعًا في محافظات مطروح والبحر الأحمر وشمال وجنوب سيناء، بطاقة إنتاجية تبلغ 485 ألف متر مكعب يوميًا.


أما المسار الثاني، فيتضمن تنفيذ 14 مشروعًا جديدًا بالكامل بنظام الشراكة مع القطاع الخاص، بإجمالي طاقة إنتاجية تصل إلى 2.36 مليون متر مكعب يوميًا.


وأكدت الوزيرة أن الوزارة تدرس حاليًا عروض عدد من كبرى الشركات العالمية، مع التركيز على توطين صناعة أغشية التحلية داخل مصر، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، وخفض تكاليف التشغيل، وتعزيز استدامة الأمن المائي.

 

بين الطموح والتمويل

لا تتوقف رؤية الدولة عند المشروعات الجارى تنفيذها، إذ تستهدف الخطة رفع الطاقة الإنتاجية تدريجيًا إلى ما بين 8.5 و9.8 مليون متر مكعب يوميًا بحلول عام 2050.


ويعكس اختلاف الأرقام المستهدفة تحديثات مستمرة في خطط التنفيذ، ويؤكد في الوقت نفسه ضخامة الاستثمارات المطلوبة، والتي تتجاوز قدرة الموازنة العامة، ما يجعل الشراكة مع القطاع الخاص خيارًا استراتيجيًا لضمان استدامة التوسع في هذا القطاع.


 

كيف يشارك القطاع الخاص؟

تعتمد الدولة في إشراك القطاع الخاص في مشروعات التحلية على مسارين رئيسيين، الأول يركز على رفع كفاءة المحطات القائمة من خلال إسناد أعمال التشغيل والصيانة إلى شركات متخصصة، مع احتفاظ الدولة بملكية الأصول، بما يضمن تحسين الأداء وتقليل الفاقد ورفع كفاءة التشغيل.


أما المسار الثاني، وهو الأكثر طموحًا، فيتمثل في الشراكة الكاملة (PPP)، حيث تتولى الشركات الخاصة مسؤولية المشروع منذ مرحلة التصميم والتمويل وحتى الإنشاء والتشغيل بعقود طويلة الأجل. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره الركيزة الأساسية لتمويل التوسعات المستقبلية دون تحميل الموازنة العامة أعباءً مباشرة.

 

شراكات دولية لجذب الاستثمارات

ولتعزيز جاذبية قطاع التحلية، تعمل الحكومة بالتنسيق مع صندوق مصر السيادي، وبالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC) والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، على إعداد وطرح عدد من مشروعات التحلية أمام المستثمرين المحليين والدوليين.


ويجمع هذا النموذج بين توفير التمويل اللازم والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، إلا أنه يفرض التزامات تعاقدية طويلة الأجل، الأمر الذي يتطلب عقودًا واضحة تضمن توزيعًا متوازنًا للمخاطر بين الدولة والمستثمرين، وتحافظ في الوقت نفسه على استدامة الخدمة.

 

فاتورة الاستثمار.. تحدٍ لا مفر منه

تكشف مشروعات التحلية الحالية والمستقبلية عن استثمارات تقدر بمليارات الدولارات، ما يجعل التمويل أحد أكبر التحديات أمام تنفيذ الخطة القومية.


ومن هنا، لا تقتصر أهمية القطاع الخاص على توفير التمويل فقط، بل تمتد إلى نقل التكنولوجيا، وتحسين كفاءة التشغيل، وتقاسم المخاطر، بما يسهم في تحويل مشروعات التحلية إلى استثمارات طويلة الأجل تدعم الأمن المائي والتنمية الاقتصادية في آن واحد.

 

مشروعات عملاقة لتعزيز الأمن المائي

تمضي الدولة في تنفيذ عدد من المشروعات الاستراتيجية لتوفير المياه اللازمة للتوسع العمراني والصناعي بالمناطق الساحلية.

وتبرز محطة مطروح كأحد أكبر المشروعات، إذ صممت لتكون قابلة للتوسع حتى تصل طاقتها الإنتاجية إلى 650 ألف متر مكعب يوميًا، إلى جانب محطة كبرى بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس بطاقة 500 ألف متر مكعب يوميًا، لدعم التنمية الصناعية واللوجستية بالمنطقة.


كما تشمل الخطة إنشاء محطات جديدة في بورسعيد والسويس وعدد من المدن الساحلية، ضمن المرحلة الأولى من الخطة القومية للتحلية، التي تضم أكثر من عشرين محطة جديدة.


ولا تقتصر أهمية هذه المشروعات على إنتاج المياه، بل تمثل ركيزة أساسية لدعم التنمية العمرانية والصناعية، وتأمين احتياجات المدن الجديدة والمناطق الساحلية من المياه.

 

الطاقة.. كلمة السر في خفض التكلفة

لا تنتهي تحديات التحلية عند إنشاء المحطات، إذ تمثل الطاقة النسبة الأكبر من تكاليف التشغيل، لذلك تتجه الدولة إلى ربط المحطات الجديدة بمصادر الطاقة المتجددة، بالتوازي مع توطين صناعة أغشية التناضح العكسي (RO)، التي تعد المكون الرئيسي لمحطات التحلية الحديثة.


ويراهن صناع القرار على أن هذا التوجه سيخفض فاتورة الاستيراد وتكاليف التشغيل، ويزيد من تنافسية المياه المحلاة، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات على المدى الطويل.

 

تجارب دولية.. دروس من نماذج ناجحة

لم تكن مصر أول من اتجه إلى إشراك القطاع الخاص في مشروعات التحلية، إذ سبقتها تجارب دولية أثبتت أن نجاح هذا النموذج يعتمد على التشريعات الواضحة والعقود المتوازنة بقدر اعتماده على التمويل.


ففي السعودية والإمارات، أسهمت عقود شراء المياه طويلة الأجل مع القطاع الخاص في توفير بيئة استثمارية مستقرة، جذبت رؤوس أموال ضخمة، ورسخت مكانة البلدين بين أكبر منتجي المياه المحلاة عالميًا.


أما إسبانيا وأستراليا، فقد تبنتا نموذجًا أكثر تكاملًا يقوم على دمج التحلية مع إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، والطاقة المتجددة، والإدارة الذكية للطلب على المياه، لتصبح التحلية جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية، وليس الحل الوحيد.


وتؤكد هذه التجارب أن نجاح الشراكات لا يرتبط فقط بتوافر المستثمرين، وإنما يعتمد بالدرجة الأولى على استقرار التشريعات، ووضوح العقود، وعدالة توزيع المخاطر بين الدولة والقطاع الخاص.

3 (2)
 

ماذا تقول الدراسات؟

و تدعم الدراسات العلمية التوسع في مشروعات التحلية بالشراكة مع القطاع الخاص، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن نجاح هذه المشروعات يرتبط بحسن إدارة المخاطر وجودة العقود.


ففي دراسة نشرت عام 2022 في HBRC Journal، أكد الباحث أحمد سليم أن مشاركة القطاع الخاص أصبحت ضرورة اقتصادية في ظل ارتفاع تكاليف إنشاء وتشغيل محطات التحلية، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الشراكات يتطلب إطارًا تشريعيًا وتنظيميًا مستقرًا، وتوزيعًا واضحًا للمخاطر بين الحكومة والمستثمرين.


وفي دراسة أخرى أعدها باحثون من كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وضع إطار لتوزيع المخاطر في مشروعات المياه بنظام الشراكة، شمل مخاطر الموقع، والتصميم، والتمويل، والتشغيل، والإيرادات، والعوامل السياسية، وذلك بالاستناد إلى مقارنة مع التجربة الصينية.


وخلصت الدراسة إلى أن هيكل العقود يمثل العامل الحاسم في جذب المستثمرين وضمان استدامة المشروعات.
كما أشارت دراسة منشورة في مجلة Desalination إلى أن دمج التحلية مع مصادر الطاقة المتجددة يعد من أهم الوسائل لخفض تكلفة إنتاج المياه، باعتبار أن الطاقة تمثل العنصر الأكبر في تكلفة التشغيل.


وفي الاتجاه نفسه، أكد البنك الدولي في تقريره حول الأمن المائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن نجاح مشروعات التحلية لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب سياسات تسعير مستدامة، وحوكمة فعالة، وأطرًا تنظيمية واضحة تضمن استدامة التمويل وحماية المستهلك.


ويرى عدد من الأكاديميين أن تجربة محطة القاهرة الجديدة مثلت نقطة تحول مهمة في مشروعات الشراكة بقطاع المياه، إذ أرست نموذجًا للعقود طويلة الأجل وأسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين في السوق المصرية، وهو ما تستند إليه الدولة اليوم في التوسع بمشروعات التحلية.

 

التحدي والفرصة

أصبحت تحلية مياه البحر أحد أهم رهانات مصر لتعزيز أمنها المائي خلال العقود المقبلة، لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد المحطات أو حجم الإنتاج فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة شراكاتها بكفاءة، وتوطين التكنولوجيا، وخفض تكاليف التشغيل، وضمان استدامة التمويل.


وتبقى المعادلة الأكثر تعقيدًا هي تحقيق التوازن بين جذب استثمارات بمليارات الدولارات، ومع استمرار تنفيذ المشروعات الكبرى، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، والتوجه نحو الطاقة المتجددة وتوطين صناعة مكونات محطات التحلية، تمتلك مصر فرصة حقيقية لتحويل تحلية مياه البحر من حل تقني لمواجهة ندرة المياه إلى ركيزة استراتيجية تدعم الأمن المائي والتنمية الاقتصادية لعقود مقبلة.


 

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة