لم يكن المشهد الذى عاشته المنطقة العربية خلال السنوات الماضية مجرد سلسلة من الأزمات السياسية المتلاحقة، بل كان ساحة مفتوحة لصراع بين مشروع الدولة الوطنية، ومشروعات أخرى سعت إلى تفكيك مؤسساتها وإضعافها.
وفى قلب هذا المشهد، برز اسم جماعة الإخوان الإرهابية فى العديد من المحطات، بعدما ارتبط خطابها وتحركاتها، بمسارات أدت إلى تعميق الانقسامات وإطالة أمد الأزمات، بينما ظلت الجماعة تقدم بقاء التنظيم واستعادة نفوذه باعتباره الأولوية المطلقة، حتى لو جاء ذلك على حساب أمن الدول واستقرار الشعوب.
ومع سقوط حكم الجماعة فى مصر عام 2013، لم تتجه قياداتها إلى مراجعة التجربة أو الاعتراف بأخطائها، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة اعتمدت على التحريض الإعلامى، والاستقواء بالخارج، ومحاولة التشكيك فى مؤسسات الدولة، بالتزامن مع حملات إلكترونية وسياسية استهدفت نشر الفوضى وإثارة الشكوك فى قدرة الدول العربية على حماية استقرارها.
مشروع التنظيم فى مواجهة الدولة
تكشف مواقف الجماعة، أن مفهوم الدولة الوطنية لم يكن يومًا جزءًا أصيلًا من مشروعها، إذ ظل الولاء للتنظيم فوق الولاء للدولة، وهو ما انعكس فى مواقفها السياسية وخطابها الإعلامى.
ففى كل محطة واجهت فيها الجماعة خسارة سياسية، لجأت إلى خطاب يقوم على نزع الشرعية عن مؤسسات الدولة، والتشكيك فى القضاء، والهجوم على الأجهزة الأمنية، ومحاولة تصوير الدولة باعتبارها خصمًا، وليس إطارًا جامعًا لكل المواطنين.
وهذا النهج لم يكن مجرد خلاف سياسى، بل محاولة مستمرة لإضعاف الثقة فى مؤسسات الدولة، بما يخلق بيئة مناسبة لإعادة إنتاج الفوضى.
مصر.. بداية المواجهة مع الدولة
بعد ثورة 30 يونيو، دخلت الجماعة فى مواجهة مفتوحة مع الدولة المصرية، ودفعت بمنصاتها الإعلامية إلى تبنى خطاب تصعيدى، تزامن مع دعوات متكررة للتظاهر والعصيان، بينما واصلت اللجان الإلكترونية حملات التشكيك فى كل خطوة تتخذها الدولة.
كما تزامن ذلك مع تصاعد العمليات الإرهابية التى استهدفت رجال الجيش والشرطة ودور العبادة والمنشآت الحيوية، فى وقت كانت فيه الجماعة تواصل حملاتها الإعلامية ضد مؤسسات الدولة، وهو ما دفع القضاء المصرى إلى إصدار أحكام باعتبار الجماعة تنظيمًا إرهابيًا فى عدد من القضايا.
الإعلام.. غرفة عمليات موازية
لم تعتمد الجماعة على التحركات السياسية وحدها، بل أنشأت منظومة إعلامية واسعة من القنوات والمنصات الإلكترونية، هدفت إلى إدارة معركة موازية ضد الدولة الوطنية.
واعتمدت هذه المنظومة على بث الشائعات، وإعادة تدوير الأخبار المضللة، وإطلاق الوسوم الموحدة، والتشكيك فى مؤسسات الدولة، مع استغلال أى أزمة اقتصادية أو اجتماعية لتضخيمها وتحويلها إلى أداة للتحريض.
كما كشفت مناسبات عديدة عن تشابه الرسائل التى تروجها المنصات التابعة للجماعة، بما يعكس وجود حملات منظمة تستهدف التأثير على الرأى العام.
الخارج.. الملاذ الدائم
بعد تضييق الخناق على التنظيم فى عدد من الدول، نقلت قياداته نشاطها إلى الخارج، حيث تحولت العواصم الأجنبية إلى منصات لإدارة الحملات الإعلامية والسياسية، وعقد المؤتمرات، وإطلاق البيانات التى تستهدف الضغط على الدول العربية.
وهذا السلوك يعكس اعتمادًا مستمرًا على الأطراف الخارجية كلما فقد التنظيم نفوذه فى الداخل، بما أدى إلى تدويل كثير من الملفات الداخلية وإفساح المجال أمام مزيد من التدخلات.
تجارة الأزمات
لم يكن الاستقرار يومًا فى صالح التنظيم، فكلما هدأت الأوضاع، تراجعت قدرته على الحشد، بينما كانت الأزمات تمنحه فرصة جديدة للظهور.
ولهذا، ركزت المنصات التابعة له على تضخيم الأزمات الاقتصادية، وإثارة الشائعات، والتشكيك فى المشروعات القومية، ومحاولة بث الإحباط بين المواطنين، فى إطار استراتيجية تستهدف إنهاك الدولة من الداخل وإضعاف ثقة المواطن فى مؤسساتها.
الشعوب دفعت الثمن
النتيجة النهائية لكل هذه المسارات كانت واضحة؛ دول أنهكتها الصراعات، واقتصادات تضررت، وملايين المواطنين دفعوا ثمن الفوضى، بينما لم تحقق الجماعة مشروعها الذى سعت إليه.
وأثبتت التجارب أن الدولة الوطنية، رغم ما تواجهه من تحديات، تظل الضمانة الأساسية لحماية المجتمعات من الانهيار، وأن إسقاط المؤسسات لا يقود إلى الحرية، بل يفتح الباب أمام الفوضى والانقسام والتدخلات الخارجية.