كان ياما كان، في سالف العصر والأمان، لم تكن شوارعنا مجرد ممرات إسفلتية تفصل بين جدران صامتة، بل كانت دواوين مفتوحة للدفء، تسع الجميع ولا تضيق بأحد.
في ذلك الزمن الجميل، لم يكن الجار مجرد عابر سبيل يتقاسم معك جغرافية العمارة أو نصيباً من ظلال الحائط، بل كان شقيقاً آخراً أهدتك إياه المحبة قبل أن تجمعك به أوراق الثبوتية.
كان سقف الشارع ممدوداً بالحب ليظلل الجميع، تحث الخطو في الحارة ، فلا تشعر بغربة، ولا تحس بأنك تفصل بين ملكك وملك غيرك.
تتشابه العتبات، وتتداخل الأصوات، وتذوب الفوارق في فنجان شاي يُصب على عجل في العصارية، كانت شقة الجار هي دارك الثانية، بل هي الامتداد الطبيعي لبيتك؛ يدخلها الصغير ليأكل من طبليتها دون استئذان، ويلعب في أرجائها وكأنه في ملكه الخاص، فلا عتبٌ يُقال، ولا جفوةٌ تُخشى، بل ترحيبٌ دائمٌ يعبر عن أصل متين وشهامة لم تلوثها مدنية اليوم.
في زماننا ذاك، كانت الأبواب تُترك مواربة، لا خوفاً من طارق، بل شوقاً لزائر، كانت العيون تحرس أطفال الحارة جميعاً دون تفرقة، واليد تمتد بالخير قبل أن يُطلب.
كان "طبق الجار" يسافر بين الشقق محملاً بأطايب الطعام، ويرجع دائماً ممتلئاً بالمحبة والبركة، في دورة حنونة تؤكد أن القلوب هي التي تطبخ، وأن النفوس هي التي تشبع.
اليوم، ونحن نغرق في صمت الأبراج العالية والأبواب المصفحة، نتلفت حولنا بحثاً عن تلك الروح التي أطفأها زحام الحياة العصرية.
لقد غلقت البيوت منافذها، وصار الجار يمر بجاره في المصعد كالغريب، لا يجمع بينهما سوى سلام عابر ومجاملة باهتة.
إن النوستالجيا ليست مجرد بكاء على أطلال الماضي، بل هي صرخة حنين أطلقها العقل في وجه الجفاف الاجتماعي الحاضر.
نتحسر على زمن كان فيه الشارع بيتاً كبيراً، والجار عماراً للروح، والأمان واقعاً نعيشه لا مجرد أمنية نكتبها في مقال.
انها دعوة للحفاظ على القيم المجتمعية الرصينة، وغرس روح المحبة والخير بين الناس، وتعظيم التواصل بين الجيران، حتى سابع جار.