في زاوية من زوايا غزة التي أنهكتها الحرب، وبين جدران منزل لم يبق منه سوى الركام وذكريات الأيام الماضية، تقف أم عمر شامخة أمام مشهد اختلط فيه الحزن بالإصرار، امرأة أنهكتها الفواجع، لكنها ما زالت تتمسك بالحياة من أجل من تبقوا حولها، وتحمل على كتفيها مسؤولية عائلة كاملة وسط ظروف قاسية لا تشبه أي حياة طبيعية.
بقايا منزل مدمر
تجلس بين الحجارة المتناثرة وبقايا منزلها المدمر، لا تبحث عن شيء ثمين أو مال فقدته تحت الأنقاض، بل تبحث عن بعض أعواد الحطب التي تساعدها على إشعال نار صغيرة تخبز عليها لقمة تسد بها جوع أحفادها، بيديها اللتين تحملان آثار التعب، تنبش الركام بحثا عن وسيلة بسيطة للاستمرار، وكأنها تحاول استخراج الأمل من بين أنقاض المكان الذي كان يوما بيتا يجمع أسرتها.

أم عمر
فقدان الأبناء
وراء هذه المرأة الصلبة قصة فقد ثقيلة، حيث فقدت ثلاثة من أبنائها، عمر ويوسف وعلي، إضافة إلى زوجة أحدهم، لتجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة في رعاية أسرة فقدت أعمدتها الأساسية، وبينما يحمل قلبها ألم الغياب، تحاول أن تكون السند لمن بقي من أفراد عائلتها، فلا تسمح للحزن بأن يمنعها من القيام بدورها.
تحمل مسئولية زوج من ذوى الإعاقة
لم تتوقف معاناة أم عمر عند فقد الأبناء، فهي تعيش أيضا مسؤولية رعاية زوج يعاني من إعاقة ويحتاج إلى كرسي متحرك، إلى جانب ابن آخر يحتاج إلى عملية جراحية، بالإضافة إلى أحفاد أيتام أصبحوا يعتمدون عليها في توفير احتياجاتهم اليومية، وبين المرض والفقد وقلة الإمكانات، تواصل المرأة رحلتها الطويلة في مواجهة الواقع القاسي.
ورغم المخاطر التي تحيط بها في منطقة تشهد ظروفا أمنية صعبة، فقد اختارت أم عمر البقاء بالقرب من عائلتها، ترفض ترك أحفادها، وتتمسك بالأرض التي تحملت فوقها سنوات من الذكريات، لا تخفي خوفها، لكنها لا تسمح له بأن يهزمها، فبالنسبة لها أصبحت المسؤولية أقوى من الألم، وأصبح الصمود طريقًا وحيدًا للاستمرار.
ملامحها تحمل قصة أعمق من الكلمات، ففي وجهها تظهر آثار التعب، وفي صمتها تختبئ حكايات عن ليال طويلة من القلق والانتظار، إلا أنه مع ذلك، تحاول أن تحافظ على تماسكها أمام من حولها، فتمنح أحفادها شعورا بالأمان رغم أنها فقدت الكثير ممن كانوا مصدر أمانها.
تجسد قصة أم عمر صورة لأمهات غزة اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة ظروف استثنائية، حيث تحولت مهام الحياة اليومية البسيطة إلى تحديات كبيرة، منها توفير الطعام، رعاية المرضى، حماية الأطفال، والبحث عن لحظات أمل وسط واقع مليء بالخسائر.
قصتها ليست مجرد حكاية امرأة فقدت أبناءها، بل قصة سيدة تحاول التمسك بالحياة رغم كل ما فقدته، ففي كل قطعة حطب تجمعها من بين الركام، رسالة عن قوة الإرادة، وفي كل رغيف تخبزه لأحفادها معنى التضحية، وفي كل يوم تصمد فيه شهادة على قدرة الإنسان على مواجهة أقسى الظروف، فأم عمر اليوم ليست فقط أما فقدت أبناءها، بل أصبحت رمزا لمعاناة آلاف الأمهات اللواتي يعشن وسط الحروب والنزاعات، يحملن ذكريات من رحلوا ومسؤولية من بقوا، ويواصلن الطريق رغم أن الطريق مليء بالألم.