يُصرّ ترامب على أنه الأفضل والأجمل، ولن يحيد إنفانتينو عن الخط المرسوم؛ أكان لإرضاء سيدّ البيت الأبيض، أم للتدليل على نجاح مساعيه لتوسعة البطولة. ولهم أن يروا ويقولوا ما يشاؤون؛ إنما الحقيقة غالبا على الجانب الآخر!
نسخة كأس العالم 2026 عادية، أو أقل، وإن زادت على سابقاتها؛ ففى المآخذ والسلبيات، من أول تغليب المالى على الجمالى، وإلى تشويه الحالة التنافسية، وكسر القوانين خصمًا من العدالة واطّراد المعايير العامة المُجرّدة.
مونديال ونصف فى الحجم، وأضعاف فى العوائد، وأدنى كثيرًا فى الوهج والحماسة، وانعكاس مشاعر الجمهور. نجح الفيفا بالأرقام، وأخفق بالأثر والمعنويات، بل وفى المادىّ أيضًا تبقّع ثوبه بما يُشين ولن يُمحَى بسهولة.
تحوّلت المباراة إلى أربعة أشواط؛ لأن المالك أراد أن يحلب بضاعته، والتجّار والمُعلنون رحّبوا. مُغازلة للولايات المتحدة وشعبها، وتطويع لكرة القدم لتُحاكى السلّة أو البيسبول والرجبى.
ستلازمنا طويلاً واقعة رفع الإيقاف عن لاعب أمريكى بعد بطاقة حمراء، بموجب تدخُّل الرئيس الجمهورى لدى تابعه فى الاتحاد. مُحاباة البعض والتحامل على غيرهم، وشبهات اختيار الحُكّام، والمُخالفة فى مضاعفة فاصل الشوطين فى النهائى.
تقول الدفاتر؛ إن الطبعة الأخيرة أصابت ضعف سابقتها: نحو 15 مليار دولار مقابل 7.6 تقريبا فى قطر 2022، وكانت العوائد أقل من 6 مليارات فى روسيا 2018.
ثمانية وأربعون بلدًا، ومائة وأربع مباريات. 4 مليارات دولار من البث التليفزيونى، وثلاثة أمثالها من التذاكر والإعلانات وعقود الرعاية. أرقام مُدهشة قطعًا، وتدل على النجاح وكفاءة الإدارة؛ لولا أنها ليست شركة تجارية، وما تحقّق كان على حساب أشياء أخرى.
الزيادة منحت فُرصًا أكبر، واستحضرت مُنتخبات ما كان يسهل أن تصعد؛ لكنها أضعفت مستوى المُنافسة. تجزئة الأشواط قُدِّمَت تحت صفة إنسانية؛ فيما تقصّدت التجارة، وباعت انتباه الناس للمُعلنين. ويد السوق الخفيّة لعبت فى الكواليس؛ وإن عزّ الدليل!
وما من شُبهة أكبر من المباراة الختامية نفسها. صحيح أن الأرجنتين حاملة اللقب؛ لكنها لم تكن تستحق الوصول إلى ذروة الرحلة. لعلّها المصادفة وحدها؛ أو العناية التى لا نراها، ولا تغيب رائحتها أيضًا.
النهائى الحقيقى كان قبلها بيوم، فى المواجهة الفرنسية الإنجليزية على الميدالية البرونزية. مباراة جادة، لاهثة، وعشرة أهداف منحتها بريقًا لم ينطفئ حتى آخر لحظة. والغريب أن الفائز أُزِيح بسهولة أمام فريقٍ غاب تمامًا عن المحطّة التالية.
كانت إسبانيا أفضل من البدء للمُنتهى. بدا الغريم هشًّا وأقل من الامتحان أصلاً؛ حتى أن الإحصائيات تنثر من غبار الشك أضعاف ما تُثيره من علامات الاستفهام: الاستحواذ 32 % فقط مقابل 68 %، ونصف عدد التمريرات المقابلة مع دقة أقل بـ13 %، لا تصويبة على المرمى، فضلا على 5 إنذارات وحالة طرد!
عُزِلَ «ميسّى» عن محيطه؛ فتخشّب راقصو التانجو تمامًا. تحوّل مُنتخب الأرجنتين إلى نسخة أخرى رديئة: هُواة بلا عقل ولا مرساة، انطلاق فى الفراغ، وعجز عن الوصول، وافتقاد للتناغم والحلول الإبداعية.
يظل البرغوث اللاتينى لاعبًا عظيمًا؛ بغضّ النظر عن سلوكه الشخصى ومواقفه السياسية. الموهبة الأعظم على الإطلاق، رجلٌ بقائمة، ورافعة لفريقٍ كامل؛ كما أنه ترس فى ماكينة الاقتصاد، والنجم الأبرز على لائحة تسليع اللعبة!
وبقدر أهميته لبلاده؛ فإنه مهم لموطن احترافه، وحكومة اللعبة أيضًا. يستحوذ بمفرده على قرابة رُبع الرعاية الإعلانية، وتحديدًا 22 % من حملات الرُّعاة وشركاء الفيفا فى البطولة.
رُوعِى وضعه فى ناديه الأمريكى من دون شَكّ، وأهميّته لإبقاء الزخم حتى آخر لحظة، وجذب الأمريكيين حتى لا تخلو المدرجات.
ربما يثبُت الفساد أو لا، وقد يكون الأمر من قبيل التحامل وإساءة الظن؛ إنما المقطوع به أن طرفًا قويًّا فى الخلفية كان يتمنّى أن يظل نجم الأرجنتين حتى آخر ثانية من البطولة، وقد تحقّق له ما أراد.
ما يخصّنا؛ أننا قدّمنا نسخة استثنائية بالقياس على ماضينا مع المونديال، وعلينا أن نعمل منذ الآن على تجاوزها. لأفريقيا عشرة مقاعد تقريبا، وسنصل قريبًا، ومن اليوم يجب ألا يكون عبور المجموعات كافيًا، ولا بلوغ ثُمن النهائى مُنتهى الآمال.
تجسّدت فى البطولة كل أمراض العالم فى حقبته الراهنة. هيمنت عليه واشنطن رغم أن لها شريكين فى التنظيم، ونجحت فى إخراج كندا والمكسيك من الصورة تماما.
فرض ترامب حضوره على الحدث، وجيّره لحسابه، ثم جرّ جيانى إنفانتينو خلفه بالأمر فى سردية أنه الأفضل والأعظم والأهم فى التاريخ، وكلها أكاذيب لا ظل لها من الحقيقة.
أخفق الفيفا، ونجح رئيسه بجدارة فى كل الموبقات: التسليع والتسييس وتوطيد شبكات مصالحه. لا أحد يُحبّه تقريبًا، ولن تخلو جلسة نميمة من الإشارة إلى شبهات فساده؛ وسيظل على رأس المنظومة، وسيربح فى أقرب استحقاق.
تلوّثت الرياضة بالمال منذ عقود؛ لكن الأوضاع صارت أسوأ، كأن الكرة تتدحرج على منحَدَر لا آخر له.
مونديال 2026 مُجرّد بروفة لعصر جديد، لا يكتفى بإفساد القائم والتربّح على حسابه؛ إنما يُوسِّع أبنيته ومجال حركته، يبتلع الحاضر، ولا يترك للناس من بهجة الأشياء إلا الذكريات، مع ضيق عظيم ممّا هو كائن، وأسى أعظم على ما كان وما فات.