"لن أعيش في ثوب شيخي أو قائدي".. جملة شهيرة طالمة اشعلت المنصات الإلكترونية حراكًا وتأثيرًا داخل صفوف الإخوان على مدار تاريخ التنظيم الاخوانى الإرهابي؛ يقول سامح فايز الباحث في شؤون الجماعات والحركات المتطرفة والمنشق عن الجماعة الإرهابية؛ أن تحولات جارفة عصفت بها ثورة التكنولوجيا التي أشعلت الموقف في المنطقة العربية، ولم يكن شباب الإخوان بعيدين عن ذلك المشهد، ومن تلك النقطة بدأ مجموعة من شباب الإخوان السابقين المقيمين في أوروبا بتنفيذ دراسة تُعدّ الأولى من نوعها داخل الجماعة، والتي طرحت إشكالية رئيسية تقول: "كيف وصلت أكثر التنظيمات الإسلامية تأثيرًا في العالم الحديث إلى هذه النقطة من الأزمة الوجودية، وإلى أين يمكن أن يتجه التنظيم بعد ذلك؟".
الأواصر الممزقة وتخبط شباب التنظيم
وأضاف فايز أن الدراسة التي جاءت تحت عنوان "الأواصر الممزقة"، أعدها عبد الرحمن عياش، وعمرو عفيفي، ونهى عزت، وترجمها إلى اللغة العربية حسان حساني بدعم من مؤسسة القرن بأمريكا الشمالية. وميز الدراسة التي جاءت في (167) صفحة أنّها طرحت للمرة الأولى الأسئلة التي كانت سببًا في انقسام التنظيم إلى أكثر من جبهة خلال الأعوام العشرة الأخيرة، وسعت أيضًا إلى محاولة الإجابة عنها من خلال استبيانات ولقاءات مباشرة مع شباب الإخوان المسجونين في مصر أو قيادات الإخوان في الخارج، وفي المقدمة منهم القائم بأعمال المرشد السابق إبراهيم منير، في رحلة بحثية تمحورت حول 3 أسئلة: أزمة هوية، وأزمة شرعية، وأزمة عضوية.
قراءة في تاريخ الجماعة
وتابع الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية قائلاً إنه مع ثورة التكنولوجيا أصبح عالم المدونات والإنترنت ملاذًا للكثيرين من شباب الحركة الإسلامية. وقد تعرّضت الدراسة في الفصل الأول إلى مقدمة عن تاريخ التنظيم من المؤسس الأول حسن البنا، مرورًا بمراحل الجماعة التاريخية المختلفة، مع التركيز على الأطر الفكرية والإيديولوجية والقفزات الحركية التي شكّلت جماعة الإخوان.
وأوضح فايز أن الشهادات الواردة في الكتاب كشفت تغير العديد من المعاني التي تأسس عليها التنظيم، وهو التغير الذي سيصبح أحد أسباب أزمة الهوية التي ضربت الجيل الثالث من شباب الجماعة؛ فالتنظيم القائم على معنى الإخوة والتفاعل بين الأعضاء وقادتهم والإحساس بها بين عامة الأعضاء، وشعور أنصارها بأنّهم جزء من عائلة كبيرة تمدهم بالأمن والدعم، الشعور الذي رسخ له حسن البنا في حياته، سيتأثر بنسبة كبيرة في التأسيس الثاني للتنظيم سبعينيات القرن الماضي.
مفهوم الإخوة يتراجع لصالح طبقة التجار
وقال فايز إن مؤلفي الدراسة يرون أنّ بنية الحركة في تلك المرحلة أصبحت أكثر تعقيدًا وتنظيمًا؛ فقد أصبحت العضوية في جماعة الإخوان عملية منظمة تستغرق سنوات من التنشئة الاجتماعية والروحية والتلقين الإيديولوجي، والأهمّ من ذلك الارتقاء التنظيمي، حيث أثبت التنظيم المعقد الذي صممه البنا قوته، لكنّه سرعان ما أصبح أكبر من أن يمكن التحكم فيه.
وأضاف الباحث المنشق عن الجماعة أن المؤلفين قسموا مراحل تطور مفهوم الهوية داخل التنظيم إلى مرحلتين:
الأولى: في الفترة الملكية التي سيطر فيها قسم طلاب الجامعات المتفاعل سياسيًا مع المشهد العام في مصر والمشتبك مع الأحزاب الليبرالية واليسارية من منطلق وطني يسعى من خلاله شباب الإخوان إلى تحقيق العدالة الاجتماعية انطلاقًا من الدولة والضغط السياسي على حكومتها.
المرحلة الثانية: فترة حكم الرئيس الراحل السادات، وهي المرحلة التي تخلّى فيها الإخوان، بحسب رؤية المؤلفين، عن السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال الدولة، وهو سعي مثل عنصرًا أساسيًا في خطاب الجماعة خلال الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، وأصبح علاج الإخوان للفقر بعد الثمانينيات يتمثل في تطوير شبكات خدمات موازية خاصة بهم.
وأشار فايز إلى أن الأفكار الإسلامية في الثمانينيات أصبحت أكثر تأثيرًا في مجالات غير المجالات السياسية، فعلى سبيل المثال أصبح رأس المال الإسلامي مركز ثقل في الاقتصاد، وراحت البرامج الخيرية والتضامنية الإسلامية تتحول إلى بديل عن خدمات الدولة الآخذة في الاختفاء. ونشأت الشبكات الإسلامية في معظم أحياء الطبقة الدنيا والطبقة المتوسطة التي بنيت في معظمها على عجل وبشكل مخالف للقانون على أطراف المدينة القديمة لإيواء ملايين المهاجرين من الريف، وبدلًا من منافسة النظام في المناطق التي هيمن عليها، سعت جماعة الإخوان للتوسع في مناطق كان وصول الدولة إليها هشًا أو معدومًا.
خطوط الصدع لدولة القومية الحديثة
وواصل فايز حديثه موضحًا أن المؤلفين يبينون كيف وجد الإخوان في القطاع غير الرسمي فرصة لتأسيس حضور قوي، أو ما صار حصنًا فيما بعد، على طول ما يمكن تسميته "خطوط الصدع" لدولة القومية الحديثة، وبين الطبقات المهمشة التي لم تكن الدولة قادرة على إدماجها سياسيًا ولا انتشالها من الفقر، ثم طُبّق المنطق غير الرسمي نفسه لاحقًا على الطبقة البرجوازية.
وأضاف فايز أن الدراسة لم تغفل إحدى أهم النقاط المحورية في تغير هوية الجيل الثالث من شباب الإخوان، وهي المسألة التي تعود بجذورها إلى قضية تنظيم 1965 المتهم فيها سيد قطب، المنضم إلى الجماعة عام 1953 بعد رحيل البنا؛ في إشارة إلى مؤلفاته التي أصّلت لأفكار الحاكمية وجاهلية المجتمع، وهو ما أدى لاحقًا إلى زوال هيمنة الإخوان شبه الكاملة على النزعة الدينية المحافظة لدى الطبقات الوسطى، وكيف أصبح الخطاب السلفي مهيمنًا على الجماعة استرضاء لقاعدتها الشعبية الريفية.
وتابع فايز: "في التسعينيات أصبح صعود القطبيين مسألةً مفروغًا منها، بيد أنّ سيطرتهم على الجماعة تأسست على أمرين: الأوّل هو الاعتماد على رأسمالها التجاري المبني على السوق الموازية للدولة، والثاني هو الاعتماد على قاعدة متسلفة أو ما بات يُعرف بترييف الإخوان، وهو المصطلح الذي صكّه الباحث الراحل حسام تمام".
عالم المدونات زلزال يضرب الجماعة
وقال سامح فايز إنه مع ثورة التكنولوجيا أصبح عالم المدونات والإنترنت ملاذًا للكثيرين من الشباب المصري، وفي القلب منهم شباب جماعة الاخوان، فانطلقوا يؤسّسون الآلاف من المدونات التي باتت متنفسًا لهم، بحثًا عن إجابات فقدوها على مدار سنوات التسعينيات. وتستشهد الدراسة بتوثيق وزارة الثقافة المصرية عام 2009 لتدشين أكثر من (150) ألف مدونة عام 2005، وهو رقم ضخم بالمقارنة مع حداثة انتشار الإنترنت في مصر، واللافت أن الشريحة الكبرى منها سيطر عليها الحديث السياسي والثقافي والأدبي، وجاءت النقاشات الدينية في مرتبة متأخرة، وهو التواجد الذي دفع كبريات دور النشر المصرية لنشر سلاسل مستمرة من الكتب القائمة على محتوى المدونات.
مع صعود ثقافة المدونات وانتشار نقد المدونين للجماعة، وما بات يُعرف بالقيادات التاريخية، قرّر الإخوان تنظيم مقابلة مع أبرز المدونين في الجماعة، والتقوا بالفعل بمسؤول الكتلة السياسية في البرلمان الذي سيصبح لاحقًا رئيسًا لمصر عام 2012 عضو الجماعة محمد مرسي.
واختتم فايز كلامه لافتًا إلى غرابة ذلك اللقاء الذي استمرّ قرابة الساعة، وكان عبارة عن حديث متواصل لمحمد مرسي امتد لأكثر من (45) دقيقة، على الرغم من أن الهدف الأساسي للاجتماع كان الاستماع للهؤلاء الشباب. ووفقًا للشهادات الواردة في الدراسة، فإن بعض الشباب تركوا الاجتماع قبل انتهائه، وغالبيتهم قرروا ترك الجماعة نهائيًا على خلفية هذه المقابلة بعد أن أخبرهم مرسي بأن العمل العام غير مقتصر على الإخوان وبإمكانهم المغادرة إن أرادوا، مما أثبت أن الجماعة لا تتحمل نقد أبنائها. ليقوم بعض هؤلاء المدونين المنشقين لاحقًا بتأسيس حراك سياسي بارز عام 2008 يُعرف بإضراب 6 إبريل، والذي شارك في تأسيسه المدوّن الإخواني السابق محمد عادل، الذي خرج من ذلك اللقاء بقرار نهائي بالانفصال التام عن التنظيم.