شحاتة زكريا

إعلام بين صناعة الوعي والضجيج

الإثنين، 20 يوليو 2026 12:40 ص


ليست قوة الإعلام فيما يملكه من شاشات أو منصات أو أرقام مشاهدة، وإنما فيما يتركه من أثر في العقول. فالكلمة الصادقة قد تبني وعيا يمتد أثره لسنوات بينما قد تهدم شائعة واحدة ثقة مجتمع كامل في ساعات قليلة.

ولهذا لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الناعمة وأحد أبرز أدوات تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام حتى بات تأثيره في بعض اللحظات لا يقل عن تأثير الاقتصاد أو السياسة أو التعليم.


وفي عصر تتدفق فيه ملايين الرسائل كل يوم لم تعد الأزمة في ندرة المعلومات وإنما في وفرتها المفرطة. فالمواطن لم يعد يبحث عن الخبر بقدر ما يبحث عن الحقيقة وسط زحام هائل من الأخبار المتناقضة والآراء المتضاربة والمحتوى الذي لا يخضع في كثير من الأحيان لأي معايير مهنية أو أخلاقية. وأصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى بينما أصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.. لقد غيرت الثورة الرقمية قواعد اللعبة الإعلامية. فمنصات التواصل الاجتماعي جعلت كل شخص قادرا على أن يكون ناشرا ومؤثرا لكنها في الوقت نفسه ألغت كثيرا من الحواجز التي كانت تفصل بين الخبر الموثق والشائعة وبين الرأي والمعلومة وبين التحليل والانطباع الشخصي.


ولم يعد معيار النجاح عند البعض هو دقة المحتوى بل عدد المشاهدات ولا قيمة الفكرة بل سرعة انتشارها.. ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته باقتصاد الضجيج حيث أصبحت الإثارة سلعة وأصبح الجدل وسيلة لجذب الانتباه وتحولت بعض المنصات إلى ساحات يتنافس فيها الجميع على صناعة الحدث حتى لو كان حدثا مصطنعا أو خبرا ناقصا أو حقيقة مبتورة. وفي مثل هذه البيئة كثيرا ما يتراجع العقل أمام الانفعال وتسبق العاطفة المنطق ويجد المتلقي نفسه محاصرا بكم هائل من الرسائل التي يصعب التحقق منها.
غير أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها فكل تطور علمي يحمل فرصا كبيرة كما يحمل تحديات كبيرة. لقد منحت الوسائل الرقمية الإعلام قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى الناس وأتاحت للمواطن أن يشارك في صناعة المحتوى وأن يعبر عن رأيه بحرية وأن يصل إلى مصادر متعددة للمعلومات. لكن الحرية مثلها مثل أي قيمة عظيمة تحتاج إلى مسؤولية تضبطها وإلا تحولت إلى فوضى.

إن الإعلام الحقيقي لا يقاس بسرعة نشر الخبر وإنما بدقة التحقق منه ولا بعدد المتابعين وإنما بقدرته على بناء الثقة. فالسبق الصحفي قد يمنح وسيلة إعلامية دقائق من التميز أما المصداقية فتبني تاريخا طويلا من الاحترام. ولهذا فإن المؤسسات الإعلامية التي تحافظ على قواعد المهنة هي وحدها القادرة على البقاء في زمن تتغير فيه الوسائل بسرعة مذهلة.. وليس صحيحا أن الإعلام المهني هو الإعلام الذي يكتفي بعرض الأخبار في صورة جامدة، فدوره أوسع من ذلك بكثير. إنه يفسر الأحداث ويضعها في سياقها الصحيح ويربط بين الأسباب والنتائج ويمنح المواطن الأدوات التي تساعده على تكوين رأيه بحرية وعلى أساس من المعرفة لا على أساس الانفعال أو التضليل.. كما أن الإعلام الوطني لا يعني أبدا غياب النقد لأن النقد المسؤول أحد أهم وسائل الإصلاح.
فالإعلام الذي يتجاهل الأخطاء يفقد احترام الناس والإعلام الذي يبحث عن الأخطاء وحدها يفقد موضوعيته. أما الإعلام المتوازن فهو الذي يدرك أن الدفاع عن الوطن لا يكون بإخفاء المشكلات وإنما بالمساهمة في حلها وأن كشف الخلل لا يكون بهدف الهدم وإنما من أجل البناء.
وقد أثبتت الأزمات الكبرى في العالم أن الإعلام كان دائما جزءا من الحل أو جزءا من المشكلة. ففي أوقات الكوارث والحروب والأزمات الاقتصادية يحتاج الناس إلى مصدر موثوق يبدد الشائعات ويقدم المعلومات الدقيقة ويمنع الخوف من أن يتحول إلى حالة عامة. وعندما يغيب هذا الدور تملأ الشائعات الفراغ وتصبح الأكاذيب أكثر تأثيرا من الحقائق.
ومن هنا فإن مسؤولية بناء الوعي لا تقع على الإعلام وحده بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله. فالمدرسة تبني العقل والأسرة تغرس القيم، والمؤسسات الدينية تعزز الأخلاق والثقافة توسع آفاق التفكير بينما يأتي الإعلام ليجمع كل ذلك في رسالة يومية تؤثر في ملايين البشر. وإذا اختل أحد هذه الأركان أصبح المجتمع أكثر عرضة للتضليل.. ولا يقل دور المتلقي أهمية عن دور الصحفي. فكل مستخدم لوسائل التواصل أصبح يمتلك منصة إعلامية صغيرة بين يديه وكل مشاركة أو إعادة نشر قد تسهم في نشر الحقيقة أو في ترويج الكذب. ولذلك فإن الوعي الرقمي أصبح ضرورة ولم يعد ترفا لأن المجتمع الذي يتعلم أفراده التحقق من المعلومات قبل تداولها هو مجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه من حملات التضليل.
ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي تزداد التحديات تعقيدا. فإنتاج الصور ومقاطع الفيديو والأخبار المزيفة أصبح أكثر سهولة وأصبح التمييز بين الحقيقي والمصطنع أكثر صعوبة. لكن مهما بلغت قدرة الآلة فإنها لن تمتلك الضمير المهني ولن تعرف قيمة الكلمة ولن تدرك مسؤولية الخبر. فهذه كلها قيم إنسانية ستظل أساس العمل الإعلامي الحقيقي.. إن الأمم لا تقاس فقط بما تمتلكه من اقتصاد قوي أو بنية تحتية متطورة أو جيوش حديثة وإنما تقاس أيضا بقدرتها على حماية وعي مواطنيها.
فالمعركة في عالم اليوم لم تعد معركة حدود فقط بل أصبحت معركة عقول ومن ينتصر فيها ليس الأكثر صخبا وإنما الأكثر قدرة على تقديم الحقيقة في صورة واضحة وعادلة.. وفي النهاية قد يحقق الضجيج انتشارا سريعا لكنه يظل أثرا عابرا سرعان ما يتلاشى. أما الوعي فهو البناء الذي يحتاج إلى وقت وصبر لكنه يبقى ويؤتي ثماره جيلا بعد جيل. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي ليس في صناعة الضجيج بل في صناعة الإنسان الواعي الإنسان الذي يميز بين الحقيقة والزيف وبين الرأي والمعلومة وبين الحرية والفوضى.
وحين ينتصر الوعي ينتصر الوطن لأن الأوطان لا يحميها ارتفاع الأصوات وإنما قوة العقول.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة