في غزة، حيث تتقاطع أصوات القصف مع أنين الفقد، تتوالى قصص إنسانية تكشف حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، ومن بين هذه القصص حكاية الشاب الفلسطيني محمد العكر، الذي وجد نفسه في مواجهة حرب قاسية لم تستثن ضعفه أو احتياجاته الخاصة، بل زادت من أعبائه وحاصرته بمزيد من الألم والخسائر.
فقدان الأم
محمد العكر شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، كان يعتمد في حياته اليومية على رعاية أسرته واهتمامها، وعلى رأسهم والدته التي كانت تمثل له مصدر الأمان والدعم، ترافقه في تفاصيل حياته وتقوم على خدمته وتلبية احتياجاته، إلا أن الحرب انتزعت منه هذا الحضن الحنون، بعدما فقد أمه التي كانت أقرب الناس إليه، لتترك غيابا لا يمكن تعويضه، خاصة بالنسبة لشخص يحتاج إلى رعاية مستمرة واهتمام دائم.

محمد العكر
استشهاد الأشقاء
ولم تتوقف مأساة محمد عند فقدان والدته، فقد امتدت الخسائر لتشمل فقدان عدد من أخواته، ليجد نفسه أمام واقع مؤلم فقد فيه جزءا كبيرا من أسرته، وأصبح مطالبا بمواجهة ظروف قاسية وسط الحزن والمرض والاحتياج، ففي الوقت الذي يحتاج فيه الإنسان إلى من يسانده بعد الصدمات، وجد محمد نفسه وقد فقد معظم من كانوا يمثلون له شبكة الأمان.
رعاية الأب
وبين هذا الألم، بقي والده المختار إلى جانبه، يحمل مسؤولية رعاية ابنه في ظروف بالغة الصعوة، وأصبح الأب هو السند الوحيد لمحمد، يسهر عليه ليلا ونهارا، يتابع احتياجاته ويحاول أن يمنحه ما فقده من حنان ورعاية، رغم أن الأب نفسه يواجه ظروفا صحية وإنسانية مرهقة تزيد من صعوبة مهمته.
يقف المختار أمام اختبار قاس، فهو لا يواجه فقط ألم فقد أفراد من عائلته، بل يحمل أيضا مسؤولية رعاية ابن يحتاج إلى عناية خاصة، وبين التعب الجسدي والضغط النفسي وقلة الإمكانات، يواصل أداء دوره الأبوي، متمسكا بالأمل في أن يوفر لنجله ما يحتاج إليه من رعاية واهتمام.
قصة محمد العكر صورة لمعاناة آلاف الأسر التي وجدت نفسها أمام تحديات مضاعفة بسبب الحرب، فالأشخاص الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة يصبحون أكثر عرضة للصعوبات في أوقات الأزمات، حيث تتأثر الخدمات الطبية، وتزداد الحاجة إلى الدعم، ويصبح فقدان أحد مقدمي الرعاية مأساة إضافية فوق المآسي القائمة.
ويبقى محمد العكر شاهدا على جانب إنساني مؤلم من واقع غزة، حيث لا تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، بل تمتد إلى قلوب الأسر التي فقدت أحباءها وتحملت أعباء تفوق قدرتها، حكاية تختصر معنى الصبر في أصعب الظروف، حيث شاب يحتاج إلى من يسانده، وأب يواصل العطاء رغم ألمه، وأسرة دفعت ثمنا قاسيا للحرب، وبين كل هذه الخسائر، يبقى الأمل والدعاء مصدر قوة لهما، بأن يمن الله على محمد بالشفاء، ويربط على قلب والده، ويرحم من فقدوهم رحمة واسعة، ويمنح هذه الأسرة الصابرة القوة لمواصلة الطريق.