لم يعد نجاح المؤسسات في العصر الحديث يقاس بحجم الإمكانات المادية وحدها، بل أصبح مرهونًا بقدرتها على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فحين يغيب هذا المعيار وتُمنح المناصب الوظيفية استنادًا إلى اعتبارات قديمة أو لمجرد التدرج الوظيفي دون النظر إلى الكفاءة والقدرة على القيادة وتحمل المسؤولية، تصبح النتيجة الحتمية تراجعًا في الأداء وانخفاضًا في الإنتاجية وتعثرًا في تحقيق الأهداف.
إن إسناد مواقع المسؤولية إلى أشخاص لا تتناسب قدراتهم مع متطلبات الوظيفة لا يقتصر أثره على ضعف الأداء الفردي بل يمتد ليصيب المؤسسة بأكملها ويعطل منظومة العمل، ويبطئ قطار التنمية الذي تسعى الدولة إلى تسريع وتيرته. فالمشروعات القومية وخطط الإصلاح الإداري وبرامج التنمية الشاملة تحتاج إلى كوادر تمتلك العلم والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار وليس مجرد أقدمية وظيفية أو حق مكتسب بالترقي.
ومن الأخطاء الشائعة الخلط بين الحضور الشكلي والكفاءة الحقيقية، فالكفاءة لا تُقاس بعلو الصوت ولا بالفهلوة ولا بالقدرة على الظهور وإثارة الانطباعات وإنما تُقاس بما يتحقق على أرض الواقع من نتائج وإنجازات ملموسة. فالمسؤول الناجح هو من يترجم صلاحياته إلى أداء ويحول الخطط إلى واقع ويضيف قيمة حقيقية لمؤسسته وفي نهاية المطاف تبقى النتائج هي المعيار العادل الذي يكشف كفاءة الأشخاص ويحدد مدى أحقيتهم بالبقاء في مواقع المسؤولية بعيدًا عن المظاهر أو الشعارات التي لا تصنع إنجازًا ولا تبني مؤسسة.
ومن هذا المنطلق أدركت الدولة أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المشروعات، فتدخلت بصورة مباشرة لوضع برامج تدريب وتأهيل متخصصة تهدف إلى إعداد القيادات وفق معايير علمية حديثة تضمن أن يتولى المسؤولية من يثبت امتلاكه للمهارات والكفاءة اللازمة بعيدًا عن المجاملة أو العادات الإدارية التي تجاوزها الزمن.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن تقف السلوكيات الفردية المنحرفة حجر عثرة أمام أى إصلاح حقيقى أو تحول دون تغيير ثقافات عشوائية ترسخت عبر سنوات وأثرت سلباً فى النتائج الإيجابية المرجوة؟
إن الإجابة تكمن فى أن نجاح أى مؤسسة لا يعتمد فقط على توافر الإمكانات أو جودة الخطط بل يرتكز بالأساس على التزام الأفراد وانضباطهم وإيمانهم بقيم العمل. فالدولة اليوم وفرت مقومات النجاح من تشريعات حديثة وأنظمة تطوير وآليات تقييم ومحاسبة ولم يعد ينقص منظومة الإصلاح سوى أن يتحمل كل فرد مسؤوليته وأن يدرك أن استقامة السلوك المهنى والالتزام بمعايير الكفاءة هما الضمانة الحقيقية لتحقيق الأهداف وترجمة جهود التطوير إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع
لقد آن الأوان لأن يصبح معيار الكفاءة هو الفيصل وأن تُطوى صفحة المفاهيم الإدارية التي عفا عليها الزمن، فلا مكان في مؤسسات الدولة الحديثة إلا لمن يستطيع أن يضيف قيمة حقيقية ويسهم في تحقيق رؤية الدولة وأهدافها التنموية. فحين يعود المعيار الصحيح إلى مكانه يصبح النجاح نتيجة طبيعية وتتحول الخطط إلى إنجازات والطموحات إلى واقع يلمسه الجميع..إستقيموا يرحمكم الله.