بعد عامين من بدء العمل الفعلي في بناء السد العالي في مصر (يناير 1960)، تولى جوليوس نيريري الحكم كأول رئيس لتنزانيا وجمعته بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر علاقات صداقة تاريخية وثيقة وتحالف سياسي قوي في الستينات. تأثر نيريري بالتوجهات الاشتراكية لعبد الناصر، وطبق أفكاراً تنموية مشابهة عرفت بـالاشتراكية الإفريقية أو (الأوجاما) في تنزانيا. واستلهم حلم بناء سد على نهر روفيجي مثل السد العالي في مصر لتنفيذ أكبر مشروع تنموي في تاريخ تنزانيا لتوليد آلاف الميجاوات من الكهرباء وتحقيق خطط تنموية كبرى في مجالات الصناعة والزراعة وحماية ملايين المواطنين من الفيضانات وتحقيق التنمية المستدامة.
رحل نيريري -الزعيم التاريخي لتنزانيا – عن الحكم عام 85 وتأجل المشروع الحلم لأكثر من ثلاثين عاما حتى تولى الرئيس التنزاني ماجوفولي الحكم ( 2015 -2021) وتصادف ذلك مع الحراك المصري الجديد تجاه افريقيا واستعادة مصر مكانتها الطبيعية ودورها الريادي والتاريخي في دول القارة السمراء عقب تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم عام 2014 وتولى الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكم إلى مكانتها الطبيعية ودورها الريادى والتاريخى فى القارة السمراء. وجسد الحراك المصري الزيارات الرئاسية إلى غالبية دول القارة -52 دولة- حتى بلغت حوالى 35 زيارة وهو العدد الأكبر من الزيارات لرئيس مصرى إلى أفريقيا لترسيخ رؤية " الجمهورية الجديدة" تجاه افريقيا والقائمة على التنمية والشراكة واحترام المصالح المتبادلة وعلى أرضية الارث التاريخي لمصر في القارة السمراء.
جاءت اللحظة التاريخية لتحقيق حلم بناء السد في تنزانيا والذي استمر طوال ستة عقود يمثل أهمية كبيرة ومشروع قومي للشعب التنزانى لتوليد الطاقة والسيطرة على فيضان نهر روفيجى، بالإضافة إلى تنظيم استدامة التدفقات المائية اللازمة لزراعة المناطق المحيطة به وممارسة أنشطة الصيد النهري. و حماية الشعب من الخسائر المتكررة سنويا بسبب الفيضانات.
في أغسطس عام 2017 يقوم الرئيس السيسي بأول زيارة لرئيس مصري الى تنزانيا منذ عام 68، وكان فى استقباله الرئيس التنزانى السابق جون ماجوفولي، وكبار المسئولين التنزانيين، وعقد الرئيس السيسى جلسة مباحثات ثنائية مع الرئيس التنزاني، أعقبتها جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدى البلدين، حيث رحب الرئيس التنزانى السابق بزيارة السيسى وأشاد بمستوى العلاقات الثنائية بين مصر وتنزانيا، مؤكداً حرص بلاده على تعزيز هذه العلاقات وتطويرها، خاصة فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادى والتبادل التجاري، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة فى الدولتين.
وفى ديسمبر 2018، وبحضور رئيس جمهورية تنزانيا الاتحادية السابق، والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، يوقع التحالف المصرى "شركة المقاولون العرب" و"شركة السويدى إلكتريك"، عقداً بقيمة 2.9 مليار دولار، فى دار السلام بتنزانيا، لتنفيذ مشروع بناء سد، ومحطة توليد كهرومائية بقدرة 2115 ميجاوات، على نهر روفيجى بتنزانيا، بهدف توليد 6307 آلاف ميجاوات / ساعة سنوياً، تكفى استهلاك حوالى 17 مليون أسرة تنزانية، كما يتحكم السد فى الفيضان لحماية البيئة
التحالف المصرى كان قد تقدم لمناقصة عالمية طرحتها الحكومة التنزانية لتصميم وتنفيذ مشروع "محطة توليد وسد جوليوس نيريرى الكهرومائية" .وتم اختيار عرض التحالف المصرى كأفضل العروض الفنية وبلغت فترة تنفيذ المشروع 3 سنوات ونصف منها 6 أشهر لتجهيزات المشروع.
في الأسبوع الثاني من نوفمبر 2022 تقوم الدكتورة سامية حسن رئيسة تنزانيا بزيارة مصر و أعربت خلال لقاءها بالرئيس السيسي عن تقدير تنزانيا الكبير لعلاقاتها التاريخية العميقة مع مصر، والحرص على الاستمرار فى الارتقاء بأطر التعاون بين الجانبين، والتطلع للاستفادة من الخبرة المصرية العريضة فى مجال المشروعات التنموية العملاقة، مثل مشروع سد "جوليوس نيريري" لتوليد الطاقة الكهرومائية فى تنزانيا.
وبعدها بشهر واحد فقط وعقب حوالى 4 سنوات من توقيع اتفاقية تنفيذه وفى أقل من 3 سنوات احتفلت مصر و تنزانيا بتدشين ملء بحيرة السد الذي أطلق عليه اسم الزعيم التاريخي "جوليوس نيريري" والذى نفذه التحالف المصرى لشركتى "المقاولون العرب والسويدى إلكتريك" على نهر روفيجى، وفى حضور وفد رسمى مصرى برئاسة سامح شكرى وزير الخارجية وقتها وبمشاركة الدكتور عاصم الجزار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية السابق، وممثلى الشركات المنفذة.
الاحتفال شهد غلق بوابة نفق التحويل للإعلان عن بدء ملئ المياه فى السد ( 156 مليون متر مكعب فى الملء الأول)، على أن يتم ملء من 7 إلى 8 مليارات متر مكعب فى 3 سنوات.حيث من المقرر أيضا أن يصل منسوب المياه إلى 63 مترا حتى يتم تشغيل التوربينات لتوليد الكهرباء.
السواعد المصرية تحدت الطبيعة الجغرافية القاسية والظروف المناخية القاسية حتى انتهت من بناء المشروع الحلم لتنزانيا والشعب التنزاني.
وتأتي الزيارة الأخيرة بالأمس للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا لتؤكد على عمق الشراكات الاقتصادية مع دول حوض النيل ودعم مشروعات البنية التحتية ونقل الخبرات المصرية بما يسهم في استعادة الزخم للعلاقات المصرية الأفريقية وترسيخ حضور مصر كشريك موثوق في جهود التنمية بالقارة.
يبرز سد «جوليوس نيريري» الكهرومائي كأحد أهم محاور التعاون السياسي والاقتصادي بين القاهرة ودار السلام. فالمشروع ليس مجرد سد، بل هو نموذج حي وملهم للتكامل الإفريقي بأيادٍ وعقول مصرية، ويهدف إلى نقل تنزانيا إلى آفاق تنموية جديدة ومضاعفة قدراتها الكهربائية لتأمين مستقبل ملايين المواطنين.
جسدت الزيارة نجاح نهج التنمية والشراكة والتعاون وأن تنزانيا واحدة من أبرز النماذج التي تجسد هذا النهج بعدما تحولت العلاقات المصرية التنزانية خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة استراتيجية متكاملة تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة. وأسهم مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري لتوليد الطاقة الكهرومائية في ترسيخ مكانة مصر كشريك رئيسي في تنفيذ أكبر مشروع تنموي في تاريخ تنزانيا
وأكدت زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا على عمق هذه الشراكة، وعلى حرص القيادة السياسية المصرية على البناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية من خلال فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري ودعم جهود التكامل الإقليمي بين دول حوض النيل
وتنزانيا إحدى دول الحوض ، وهي من دول المنبع. وتشترك في هذه المنظومة المائية نظراً لوقوع أجزاء من أراضيها ضمن النطاق الجغرافي لحوض النيل (حوالي 2.7% من مساحة الحوض)، فضلاً عن إطلالها على بحيرة فيكتوريا التي تعد المصدر الرئيسي لمياه النيل الأبيض.
التعاون المصري التنزاني مع زيارة الرئيس السيسي بالأمس الى دار السلام، لم يقتصر على مشروع سد جوليوس نيريري بل امتد إلى مجالات التدريب وبناء القدرات والزراعة والصحة، والتعليم والنقل وإدارة الموارد المائية فضلًا عن التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعكس تطور العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
في التوصيف العام والبعد الاستراتيدي، فزيارة الرئيس السيسي الى تنزانيا تؤكد على الدور المصرى فى أفريقيا لم ينشغل فقط بأزمة قضية المياه وأزمة "سد النهضة"، وانما الرسالة المصرية الواضحة لكافة الأشقاء الأفارقة هى أن القاهرة تمد أيادى الدعم والمساندة والتعاون لتحقيق أهداف التنمية فى دول القارة وتوظيف خبراتها وإمكاناتها لصالح التنمية والاستغلال الأمثل لموارد القارة وخاصة الموارد المائية.
ففي العام الماضي، أغسطس 2025، وخلال زيارة الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى كانت الرسالة المصرية واضحة ومستندة إلى إرث تاريخى كبير فى العلاقات بين البلدين، حيث أكد الرئيس السيسى دعم مصر الكامل لجهود التنمية فى أوغندا، وبقية الأشقاء فى دول حوض النيل الجنوبى، واستعداد مصر للمساهمة فى تمويل مشروع سد "أنجلولو" بين أوغندا وكينيا، من خلال الآلية التى أطلقتها مصر للاستثمار فى مشروعات البنية التحتية فى حوض النيل بتمويل مبدئى قدره 100 مليون دولار. والإعلان عن إبرام مذكرة تفاهم جديدة فى مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية للبناء على التعاون الممتد لأكثر من عشرين عامًا بين البلدين، حفاظًا على بيئة نهر النيل وتنميةً لموارده، بقيمة إجمالية تبلغ 6 مليون دولار على خمس سنوات.
مصر ودبلوماسية السدود فى دول حوض النيل
الخميس، 14 أغسطس 2025 03:06 ص
خلال العشر سنوات الأخيرة لم يتغيب رؤساء دول القارة الأفريقية -إلا قليلا جدا- عن زيارة القاهرة رسميا بعد أن عادت مصر عقب عام 2014 ومع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكم إلى مكانتها الطبيعية ودورها الريادى والتاريخى فى القارة السمراء.
وفى السنوات العشر أيضا شهدت مصر حراكا كبيرا تجاه الـقـارة الأفريقية وتعددت الزيارات الرئاسية إلى غالبية دول القارة -52 دولة- حتى بلغت حوالى 33 زيارة وهو العدد الأكبر من الزيارات لرئيس مصرى إلى أفريقيا، وتشكل النسبة الأكبر من زيارات الرئيس إلى الخارج. وهـو عـدد يعكـس الاهتمـام الكبيـر للرئيـس بالقـارة الأفريقية، ويوضـح أن مصالـح القـارة الأفريقيـة تقـع فـى مقدمـة أولويـات مصـر، وتحتـل جـزءا مهمـا مـن نشـاطات رئيـس الجمهوريـة، بالإضافـة إلـى حـرص الرئيـس السيسـى علـى المشـاركة بنفسـه فـى القمـم الأفريقيـة المختلفـة، أو القمـم الدوليـة المتعلقـة بأفريقيـا والــدور الفاعل لمصر فى معالجة القضايا الأفريقية، لاسيما فى إطار جهود دفع عجلة التنمية بالقارة وصون السلم والأمن فيها.
الـسـنـوات العشر الماضية أظهرت الرغبة الحقيقية فى دعم التكامل مع دول القارة فى كافة القطاعات، وأن اهتمام مصر لم يقتصر على دول حوض النيل فقط، وإنما سعى الرئيس السيسى إلـى تعزيز العلاقات مع أقاليم القارة الأفريقية كافة، سواء فى الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب الأفريقى، لم يتوقف اهتمام مصر بأفريقيا بعد انتهاء رئاستها لدورة الاتحاد الأفريقى فى 2019 وإنما استمرت زيارات الرئيس السيسى للدول الأفريقية.
الدور المصرى فى أفريقيا لم ينشغل فقط بأزمة قضية المياه وأزمة "سد النهضة"، وكانت الرسالة المصرية الواضحة لكافة الأشقاء الأفارقة هى أن القاهرة تمد أيادى الدعم والمساندة والتعاون لتحقيق أهداف التنمية فى دول القارة وتوظيف خبراتها وإمكاناتها لصالح التنمية والاستغلال الأمثل لموارد القارة وخاصة الموارد المائية.
وفى الزيارة الأخيرة للقاهرة للرئيس الأوغندى يورى موسيفينى كانت الرسالة المصرية واضحة ومستندة إلى إرث تاريخى كبير فى العلاقات بين البلدين، حيث أكد الرئيس السيسى دعم مصر الكامل لجهود التنمية فى أوغندا، وبقية الأشقاء فى دول حوض النيل الجنوبى، واستعداد مصر للمساهمة فى تمويل مشروع سد "أنجلولو" بين أوغندا وكينيا، من خلال الآلية التى أطلقتها مصر للاستثمار فى مشروعات البنية التحتية فى حوض النيل بتمويل مبدئى قدره 100 مليون دولار. والإعلان عن إبرام مذكرة تفاهم جديدة فى مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية للبناء على التعاون الممتد لأكثر من عشرين عامًا بين البلدين، حفاظًا على بيئة نهر النيل وتنميةً لموارده، بقيمة إجمالية تبلغ 6 مليون دولار على خمس سنوات.
نجاح "دبلوماسية السدود" يؤكد الرؤية الاستراتيجية للجمهورية الجديدة لدعم التنمية فى أفريقيا واستغلال الموارد الطبيعية المتاحة بالاستعانة بالخبرة المصرية، والتأكيد على أن مصر تعمل منذ عودتها إلى مكانتها الطبيعية فى القارة السمراء إلى دعم التنمية فى دول القارة على عكس ما تزعمه بعض الأطراف من أن مصر تعرقل التنمية فى القارة السمراء، وهو رد عملى على الأرض تقدمه مصر لكل من يحاول ترويج الأكاذيب، والشاهد أن مصر طرحت ولا تزال تمد يدها وتطرح على كل الأشقاء، أن تعاونهم فى قضايا التنمية، لتحقيق المكاسب السياسية والفوائد الاقتصادية المشتركة بين الجانبين.