وسط حشد عسكري أمريكي كبير، وتحذيرات إيرانية متكررة بمزيد من الرد، يترقب العالم الساعات، بل الأيام، القادمة، التي ربما تكون الأصعب في هذا الصراع، إلا إذا حدثت انفراجة وأُعيدت الحياة إلى طاولة التفاوض مجددًا، لكن هذا أيضًا يبدو صعبًا في ظل تعقيدات القرار السياسي لدى الجانبين.
ومع انتصاف مهلة الستين يومًا، التي كانت مخصصة للتوصل إلى اتفاق نهائي، اشتعلت جولة جديدة من حرب الاستنزاف القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، ليتأكد أن التفاوض بالقوة هو الخيار الذي توافق عليه الطرفان. ومن ثم، تمثل هذه الجولة حسمًا، بل ربما نقلة نوعية في مسار الحرب، من استنزاف متبادل للقوة والقدرات إلى حرب ومواجهة شاملة بهدف تحقيق نصر كامل لأحد الطرفين. فقد تبين خلال الجولات الماضية أن أنصاف الانتصارات لا تنهي المعركة، وهو ما يجعل التصعيد الجاري ربما يكون الأعنف، ويتم خلاله طرح جميع الأوراق المتاحة ميدانيًا.
ولهذا تتحدث واشنطن عن الإنزال البري واحتلال جزيرة خرج، بينما تتحدث طهران عن دفع الحوثيين نحو إغلاق باب المندب. وهذا ما يجعلنا نتابع مسار التصعيد وكأن الحرب لم تبدأ بعد، بل إن ما هو قادم ربما يكون أخطر، بل قد يكون الحرب الفعلية التي تشهد مواجهة بالقوة القصوى من الجانبين. ولكن هذا لا يعني أن الخيار النووي مطروح في تلك المواجهة الشاملة، فهو أكثر الخيارات قسوة على الجميع، خاصة في ظل تموضع القوات الأمريكية بهذا الحشد العسكري الضخم في محيط إيران. كما أن خيار الولايات المتحدة باستخدام ضربات نووية قد يتطلب سحب حاملات الطائرات والقوات بعيدًا عن ساحة القتال، وهو أمر يصعب حدوثه الآن وسط غبار المعركة المتصاعد.
وبعيدًا عن شكل وطبيعة الحرب الأمريكية الإيرانية المقبلة، وطريقة حسمها، يبقى السؤال: هل انتهى الطريق التفاوضي إلى حائط مسدود؟ بالطبع لا، ولكن ذلك يتوقف على قدرة الأطراف على بناء قرار سياسي داخلي، أولًا، بإنهاء الحرب. إذ تشكل الانقسامات السياسية الداخلية في إيران، أو حتى الانسياق الأمريكي وراء الرغبة الإسرائيلية، إلى جانب غياب استراتيجية واضحة لإدارة مسار الحرب لدى الولايات المتحدة، عوائق أساسية أمام صناعة قرار التفاوض.
فعلى صعيد الجانب الإيراني، يمكن القول إننا أمام جبهتين في الداخل؛ الأولى أكثر برجماتية، وتميل إلى التفاوض، وتتمثل في الرئيس الإيراني، ومحمد باقر قاليباف، وكذلك عباس عراقجي، بينما تتشكل الجبهة الأخرى من الحرس الثوري الإيراني، الذي يرفض التفاوض.
أما على الصعيد الأمريكي، فالأمر أكثر تعقيدًا، خاصة أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لها تأثير كبير في صناعة القرار السياسي الأمريكي. لكن مؤخرًا، شكّل حدوث انقسام داخل الحزب الجمهوري، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، أزمة إضافية. وربما تعكس تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، الأخيرة، التي انتقد فيها الإدارة الإسرائيلية بسبب دفعها نحو المزيد من الحرب، رغبة أمريكية، ولو محدودة، في تحرير صناعة القرار السياسي الأمريكي من التأثير الإسرائيلي.
ومن ثم، فإن كل تلك الأسباب، سواء على صعيد الجانب الإيراني أو الأمريكي، تجعل مسار التفاوض يمضي ببطء، وفي الوقت نفسه تجعل الخيار العسكري هو الأسهل، في ظل عدم تحقيق أي من أطراف الصراع لأهدافه التي يدافع عنها منذ بداية الصراع. وهو ما قد يضع الإقليم، بل العالم بأكمله، أمام اختبار صعب إذا اشتعلت الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإيران، وأصبح الإقليم ساحةً رئيسية لتلك الحرب.