مع اقتراب شهر أغسطس من كل عام، تتجه أنظار ملايين المسيحيين فى مصر نحو أحد أكثر الأصوام محبة وشعبية فى الكنائس المختلفة، وهو صوم السيدة العذراء مريم، الذى يحتل مكانة خاصة فى وجدان الأقباط، باعتباره موسمًا روحيًا يجمع بين الصلاة والتوبة والاحتفال بأم النور التى تحظى بإجماع ومحبة بين مختلف الطوائف المسيحية.
اختلاف توقيت صوم السيدة العذراء
وفى عام 2026، تبدأ الكنيسة القبطية الكاثوليكية وكنيسة الروم الأرثوذكس صوم السيدة العذراء يوم السبت الموافق 1 أغسطس، ويستمر لمدة خمسة عشر يومًا، على أن تحتفلا بعيد انتقال السيدة العذراء يوم 15 أغسطس. أما الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فتبدأ الصوم يوم الجمعة 7 أغسطس، وتختتمه يوم 21 أغسطس وفقًا للتقويم القبطى المعتمد لديها.
ورغم اختلاف موعد بدء الصوم والاحتفال بالعيد بين الكنائس، فإن هذا الاختلاف لا يرتبط بالعقيدة أو مكانة السيدة العذراء، وإنما يرجع إلى اختلاف التقويم المستخدم فى تحديد المناسبات الكنسية، فالكنيستان الكاثوليكية والروم الأرثوذكس تعتمدان التقويم الغربى "الجريجورى"، بينما تعتمد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التقويم القبطى الذى يحدد الصوم سنويًا من الأول حتى الخامس عشر من شهر مسرى.
ويشبه هذا الاختلاف ما يحدث فى الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، حيث تحتفل بعض الكنائس به فى 25 ديسمبر، بينما تحتفل به الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى 7 يناير، دون أن يؤثر ذلك على جوهر الإيمان أو وحدة العقيدة المسيحية.
صوم العذراء.. صوم من الدرجة الثانية
ويحظى صوم العذراء بمكانة متميزة داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ يُصنف ضمن أصوام الدرجة الثانية التى يُسمح خلالها بتناول الأسماك، باستثناء يومى الأربعاء والجمعة، كما تشهد الكنائس خلال هذه الفترة إقامة نهضات روحية يومية تتضمن صلوات وعظات ومدائح خاصة بالسيدة العذراء وسط حضور شعبى واسع.
احتفالات الأديرة بصوم أم النور
وتستعد الأديرة والمزارات المريمية الكبرى لاستقبال آلاف الزائرين خلال فترة الصوم، وفى مقدمتها دير السيدة العذراء بدرنكة فى أسيوط، الذى يرتبط بمسار رحلة العائلة المقدسة، وكنيسة العذراء بمسطرد، وغيرها من الكنائس التى يقصدها الأقباط للصلاة وطلب البركة.
ويعود أصل صوم العذراء بحسب التقليد الكنسى إلى القديس توما الرسول، الذى علم بانتقال السيدة العذراء بعد عودته من التبشير، وعندما طلب رؤية جسدها لم يجده فى القبر، بعدما رأى انتقالها إلى السماء فصام الرسل خمسة عشر يومًا إحياءً لهذه الذكرى، لتصبح من أقدم المناسبات المريمية فى الكنيسة.
وتحمل طقوس الصوم تشابهًا مع الصوم الكبير فى بعض الجوانب، إذ تُقرأ النبوات وتُقام الصلوات الخاصة وترتفع الألحان الروحية التى تعكس عمق المحبة للسيدة العذراء، بينما تختلف مدة الصيام الانقطاعى وفق الإرشاد الروحى لكل مؤمن.
أما فى تقليد كنيسة الروم الأرثوذكس، فقد ارتبط الصوم فى بداياته بالرهبان والراهبات باعتباره تعبيرًا عن حياة التكريس والطهارة، قبل أن ينتشر بين عامة الشعب كفترة للتوبة وتجديد الحياة الروحية والاقتداء بالعذراء فى الطاعة والخدمة.
وتحظى السيدة العذراء بمكانة فريدة فى مختلف الكنائس، حيث تُعرف بألقاب عديدة منها "أم النور" و"السماء الثانية"، وتخصص لها الكنائس أعيادًا واحتفالات متعددة على مدار العام، تعبيرًا عن مكانتها الروحية فى الحياة المسيحية.
ورغم اختلاف التقاويم الكنسية، يبقى صوم العذراء مناسبة تتجسد فيها وحدة المشاعر والإيمان، إذ تلتقى الكنائس على محبة السيدة العذراء وتكريمها باعتبارها مثالًا للطهارة والطاعة والإيمان، لتظل أم النور رمزًا يجمع القلوب عبر الأجيال والكنائس المختلفة.