فى أزقة القاهرة القديمة، كانت أصوات الأطفال تتعالى من كتاتيب المساجد والكنائس معًا، وهم يرددون الحروف والآيات والمزامير، في مشهدٍ يُلخص روح مصر الحقيقية: الكتّاب كان وطنًا مصغّرًا، يجلس فيه المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب، يتعلّمان الكتابة قبل أن يفرّق بينهما شىء.
ولم يكن التعليم الديني في القرون الماضية قائمًا على الفصل بين أبناء الوطن الواحد، بل كانت الكتاتيب - سواء فى الكنائس أو المساجد — مدارس أولى لغرس القراءة والإيمان، وبذور التنوير الشعبي في مصر.
الكتّاب في الكنيسة.. مدرسة الإيمان والمعرفة
ويروي الدكتور سليمان نسيم في كتابه «الأقباط والتعليم في مصر الحديثة» أن الكنيسة المصرية كانت من أوائل المؤسسات التي اهتمت بالتعليم الشعبى، فأنشأت كتاتيبها فى أروقتها منذ القرون الوسطى، لتعليم الأطفال القراءة والكتابة واللغة القبطية إلى جانب الصلوات والألحان.
وكانت حجرات الكتّاب بسيطة: جدران من الطوب، حصير على الأرض، ولوح خشبى يُكتب عليه بالحبر الأسود، أما المعلم فكان قسًا أو شماسًا، يلقّن التلاميذ المزامير، ويشرح لهم مبادئ الحساب والإملاء. وكانت الغاية مزدوجة: حفظ الإيمان وصقل العقل.
من هذه الكتاتيب خرجت أجيال من الأقباط الذين أتقنوا العربية والقبطية معًا، فساهموا لاحقًا في حركة الترجمة والطباعة والتعليم الأهلي، قبل ظهور المدارس النظامية في القرن التاسع عشر.
الكتاتيب فى المساجد.. مدرسة الأمة الأولى
وفي الجانب الآخر، كان كتّاب المسجد هو المدرسة العامة للمصريين جميعًا، يتعلم فيه الأطفال — مسلمين ومسيحيين — القراءة والكتابة وحفظ القرآن ومبادئ الحساب.
وكان “الشيخ” هو المعلم والمربّي، يلقّن التلاميذ على الألواح الخشبية، ويغرس فيهم قيم الأخلاق والاحترام، دون أن يسأل عن ديانتهم.
ويروي مؤرخو التعليم أن كتاتيب المساجد لم تكن مغلقة على المسلمين وحدهم، بل كانت منفتحة على أبناء الأقباط الفقراء الذين لم يجدوا بديلًا آخر، فكانوا يجلسون إلى جوار زملائهم المسلمين، يكتبون الحروف نفسها ويتعلمون القيم ذاتها.
ومن هؤلاء خرجت شخصيات قبطية بارزة ذكرت أنها تلقت أول دروسها في كتاتيب المساجد، في زمنٍ كانت الكلمة فيه تجمع ولا تفرّق.
قس في كتاب الشيخ الشعراوي
ومن أجمل ما يحمله التاريخ الحديث من شواهد على تلك الروح، القصة المتداولة عن قمص قبطى يدعمى متى سوريال كان كاهن كنيسة مارجرجس بالمنصورة فيما أنه حضر كتّاب الشيخ محمد متولى الشعراوى في طفولته بقرية دقادوس بالدقهلية.
تذكر الروايات أن القمص — الذي أصبح فيما بعد أحد كهنة الكنيسة الأرثوذكسية في المنصورة — كان من أبناء القرية الذين أرسلهم ذووهم إلى الكتّاب عند الشيخ الشعراوى لتعلّم القراءة والقرآن، مثل سائر أطفال القرية.وحين كبر الاثنان، ظل كلٌّ منهما يذكر الآخر بخير؛ الشيخ الشعراوي كان يقول إن التعليم في الكتّاب علّمه التسامح واحترام الآخر، والقمص كان يروي بفخر أنه حفظ سورًا من القرآن في طفولته على يد الشيخ، معتبرًا أن “العلم لا دين له، بل روحه المحبة”.
الكتّاب.. صورة للوحدة المصرية قبل المدارس الحديثة
ولم تكن هذه القصة استثناءً، بل كانت نموذجًا لواقعٍ أوسع عاشته مصر قبل ظهور المدارس الرسمية في عهد محمد على، ففى أغلب القرى، لم يكن سوى كتّاب واحد ملحق بالمسجد أو ببيت الشيخ، وكان الأهالى يرسلون إليه أبناءهم جميعًا بلا تمييز.
وكان من الشائع أن المعلم المسلم يدرّس للأقباط، والمعلم القبطي يدرّس للمسلمين، لأن المهنة كانت تُقدّر بالكفاءة والعلم لا بالانتماء.
وهذه التجربة الشعبية صنعت ما يمكن تسميته بـ “الضمير المشترك للمصريين”، حيث تخرّج من الكتاتيب رجال الدين والعلم والأدب، ممن جمعوا بين معرفة اللغة وروح التسامح.
حين التقت اللوحة بالحبر.. والقلوب بالإيمان
ولم تكن الكتاتيب مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت فضاءً لتربية جيلٍ كامل على القيم الأخلاقية والانتماء الوطنى، الطفل الذي يجلس في كتّاب الكنيسة يتعلم النظام والنظافة والترتيل، والطفل فى كتّاب المسجد يحفظ القرآن ويتأدب مع معلمه، وكلاهما كان يخرج من التجربة وهو يشعر بالاحترام للآخر المختلف عنه في العقيدة، لكنه شريكه في الوطن واللغة والمصير.
وفي تاريخ الكتاتيب، سواء في الكنيسة أو المسجد، نجد أجمل تجليات مصر الحقيقية: بلدٌ علّم أبناءه الحروف في بيوت الله جميعًا، فصنع من التنوع مصدر قوة لا سببًا للخلاف.
ذلك التاريخ المشترك لا يُروى فقط في الكتب، بل ما زال حيًا في ذاكرة من حفظوا “باسم الآب والابن والروح القدس” و”بسم الله الرحمن الرحيم” في المكان ذاته.
إنه الدرس الأكبر الذي تركه الكتّاب لنا: أن التعليم حين يُزرع بالمحبة، يثمر وطنًا واحدًا وإن اختلفت الصلوات.