لم يقتصر تميز المصريين القدماء على تشييد المعابد والأهرامات أو تحقيق الإنجازات في مجالات العمارة والطب والفلك، بل امتد أيضًا إلى حياتهم اليومية ووسائل الترفيه التي ابتكروها منذ آلاف السنين، فقد أبدع الفراعنة في تصميم ألعاب تعتمد على الذكاء والتفكير، لتؤكد أن التسلية كانت جزءًا أصيلًا من حضارتهم العريقة، ومن أبرز هذه الألعاب لعبة “السنت”، التي تعد واحدة من أقدم الالعاب في التاريخ، وتحمل في الوقت نفسه دلالات دينية وروحية عميقة.
قطعة أثرية نادرة داخل متحف الغردقة
ويحتضن متحف الغردقة واحدة من القطع الأثرية النادرة التي تجسد هذه اللعبة التاريخية، حيث تعرض لعبة “السنت” المصنوعة من الحجر الجيري، والمقسمة إلى عدد من المربعات، ويصاحبها ثماني قطع مصنوعة من الفيانس. وتم اكتشاف هذه القطعة ضمن مجموعة من الألعاب التي وضعت داخل مقابر الأثرياء، في اعتقاد ساد لدى المصريين القدماء بأن المتوفى سيحتاج إليها خلال رحلته إلى العالم الآخر.
وتعد هذه القطعة من أبرز مقتنيات المتحف، إذ تعكس جانبًا مختلفًا من حياة المصري القديم، بعيدًا عن الملوك والحروب والطقوس الدينية، لتسلط الضوء على أسلوب حياته اليومية واهتمامه بالألعاب الذهنية والترفيهية.
“السنت”.. لعبة الملوك ورمز العبور إلى الخلود
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن لعبة “السنت” كانت من أكثر الألعاب انتشارًا في مصر القديمة، حتى أطلق عليها لقب “لعبة الملوك”، بعدما ظهرت في العديد من المقابر الملكية وبين مقتنيات أفراد الأسرة الحاكمة، كما انتشرت أيضًا بين عامة الشعب.
ويعني اسم “سنت” باللغة المصرية القديمة “العبور”، وهو معنى ارتبط بالمعتقدات الدينية لدى الفراعنة، إذ كانت اللعبة ترمز إلى رحلة الروح وانتقالها إلى العالم الآخر، أو إلى “حقول الأيارو”، التي مثلت الجنة في العقيدة المصرية القديمة، ولذلك لم تكن مجرد وسيلة للتسلية، بل حملت مكانة دينية وروحية كبيرة.
تشابه كبير مع لعبة الشطرنج
ووفقًا للوصف المرفق بالقطعة الأثرية داخل متحف الغردقة، فإن لعبة “السنت” كانت تمارس بين شخصين، يتحرك كل منهما بقطعه فوق رقعة مقسمة إلى مربعات، وفق قواعد تعتمد على التفكير والمهارة وحسن التخطيط، وهو ما دفع العديد من علماء الآثار إلى وصفها بأنها “شطرنج الفراعنة”، نظرًا للتشابه الكبير بينها وبين لعبة الشطرنج الحديثة من حيث أسلوب المنافسة واستخدام العقل في إدارة مجريات اللعب.
ورغم اختلاف قواعد اللعب عن الشطرنج المعروف حاليًا، فإن “السنت” مثلت واحدة من أقدم الألعاب الاستراتيجية التي عرفتها البشرية، واستمرت في التطور عبر العصور المصرية المختلفة.
تطور تصميم اللعبة عبر العصور
شهد تصميم رقعة “السنت” تطورًا ملحوظًا مع مرور الزمن، إلا أن الشكل الأكثر شيوعًا لها كان يتكون من ثلاثين مربعًا مرتبة في ثلاثة صفوف متوازية، وكانت الرقعة توضع فوق مائدة صغيرة أو داخل صندوق خشبي مخصص لحفظ القطع، بما يسهل حملها واستخدامها.
كما عثر علماء الآثار على نماذج متعددة للعبة بأحجام وخامات مختلفة، وهو ما يعكس مدى انتشارها بين مختلف فئات المجتمع المصري القديم، سواء داخل القصور الملكية أو منازل الأثرياء، وحتى بين عامة الناس.
ظهورها في كتاب الموتى والمقابر الفرعونية
ولم تقتصر أهمية “السنت” على كونها لعبة للتسلية، بل ظهرت أيضًا في عدد من تعاويذ كتاب الموتى، حيث جسدت الصراع الرمزي الذي تخوضه الروح لعبور العقبات والوصول إلى الحياة الأبدية، وهو ما منحها مكانة مقدسة في المعتقدات الجنائزية.
ولهذا السبب، حرص المصريون القدماء على وضع رقعة اللعبة ضمن مقتنيات المتوفى داخل المقبرة، اعتقادًا بأنها سترافقه في رحلته إلى العالم الآخر، وقد خلدت جدران العديد من المقابر مشاهد لأصحابها وهم يمارسون لعبة “السنت”، في دلالة واضحة على ارتباطها بفكرة الخلود والانتصار على الموت.
كما عثر على أقدم نموذج معروف لهذه اللعبة في منطقة المحاسنة بمحافظة سوهاج، وكان مصنوعًا من الطين المحروق، ويتكون من 18 مربعًا موزعة في ثلاثة صفوف، وهو ما يؤكد أن اللعبة مرت بمراحل تطور متعددة حتى وصلت إلى شكلها الأكثر شهرة.
متحف الغردقة.. نافذة على الحضارة المصرية
ويعد متحف الغردقة من أبرز الصروح الثقافية والسياحية في البحر الأحمر، حيث افتتحه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في 29 فبراير عام 2020، ليصبح أول متحف تنشئه وزارة السياحة والآثار بالشراكة مع القطاع الخاص.
وتبلغ المساحة الإجمالية للمتحف نحو 22 ألفًا و500 متر مربع، منها 12 ألف متر مربع مخصصة للمنطقة التجارية، بينما تبلغ مساحة العرض المتحفي نحو 1800 متر مربع موزعة على طابقين، ويضم المتحف مسرحًا رومانيًا جارٍ تشغيله، بالإضافة إلى نحو 1400 قطعة أثرية تمثل مختلف العصور التاريخية، بداية من عصور ما قبل التاريخ وحتى عصر أسرة محمد علي.
ويتميز المتحف بأسلوب عرض يجمع بين التسلسل الزمني والموضوعي، من خلال 11 ممرًا داخل قاعات العرض و41 فاترينة عرض، إلى جانب منطقة عرض خارجية، ويحتضن عددًا من القطع الملكية النادرة، في مقدمتها تمثال الملكة ميريت آمون من الأسرة التاسعة عشرة، وثلاث قطع أثرية مميزة للملك تحتمس الثالث، الذي يعد أحد أعظم ملوك مصر وقادة جيوشها عبر التاريخ.

احد نماذج لعبط السنت الفرعونية

السنت وجد داخل احد مقابر،الاغنياء

كانوا يعتقدون أنها وسيلة الوصول إلى الجنة

لعبة السنت الفرعونية بمتحف آثار الغردقة

مصنوعه،قاعدتها من حجر الجير