الناقد أحمد حسن عوض يكتب: صلاح عبدالصبور وجذور الدراما

الأربعاء، 15 يوليو 2026 11:08 ص
الناقد أحمد حسن عوض يكتب: صلاح عبدالصبور وجذور الدراما الناقد أحمد حسن عوض

دائما ما أشعر عند مطالعة منجز صلاح عبد الصبور الشعري أنه كان مؤهلاً  منذ بداياته الأولى لكتابة قصيدة درامية بامتياز؛ لأسباب متعددة يعود أهمها -في تقديري الشخصي- إلى ولع صلاح عبد الصبور بتأمل العالم منذ طفولته المبكرة حين كان صبيا كسولا لا يشارك أقرانه في الألعاب الرياضية والأنشطة البدنية، ويقرأ كل ما تقع عليه عيناه بشغف بالغ، وحتى قصيدته الأخيرة "عندما أوغل السندباد وعاد" التي تنهض على حيوية التأمل في تجربة الحياة من بواكيرها الأولى إلى لوعة نهايتها الحزينة، مع ما يصاحب ذلك التأمل من حراك حيوي ودراما نفسية مشتعلة وممتدة بامتداد ضفاف الوجود لا ضفاف بحر المغامرة السندبادية فحسب، ومن ثم فقد أسهمت فضيلة التأمل المؤسسة على الملاحظة الثاقبة والمقترنة بشغف القراءة في جعل شاعرنا مشدودا إلى الخارج، منجذبا إلى عالمه المعيش بتفاصيله المتنوعة، راصدا مفارقاته الحزينة والساخرة في آن، بحيث لم يكن يتأمل ذاته ويستبطن عوالمه الداخلية بمعزل عن حضور صورة المجتمع حتى في أبرز قصائده الذاتية العاطفية الأولى حيث نراه يقول في  قصيدة "سوناتا" على سبيل التمثيل:

وأيقظني صاحبي يا (فلان)
أفق، غمر النور وجه الطريق
زحاما من الأرض حتى السماء
يساقون والموت في مرصد
لمعركة البله والأغبياء
لأجل الرغيف وظل وريف
وكوخ نظيف وثوب جديد
وفي العصر شفتك يا فتنتي
ولم نفترق في الزحام البليد
وقبلت ثوبك يا فتنتي
لأنك أنت رجائي الوحيد

وبالرغم من ارتفاع نبرة التعالي الشاعري الذي يمثله النموذج الرومانسي  إزاء مواضعات المجتمع وإدانة الجموع/ ركاب القطار الذين يعيشون  تحت وطأة الضرورة والسعى وراء لقمة العيش ولا ينزعون إلى أفق الحرية وفضاء الحب بظلاله المثالية،  فقد أذن عبدالصبور لدوي القطار أن يناؤي صوته الرومانسي  المهيمن على بنية  القصيدة، وسمح للزحام الواقعي (البليد) -على حد قوله-  أن يشاكس فضاء حياته العاطفية الهادئة  الأثيرة، مما يؤكد أن ملمح  الدراما المقترن بنوازع الصراع كان يؤذن بتخلق ملامح المذهب الواقعي تحت قشرة المذهب الرومانسي، مع ما تستدعيه الواقعية من تجذر في بنية المجتمع بصورته الحديثة التي تؤكد أن كل تجمع بشري لابد أن ينطوى على صراع، وفي هذا السياق ينبغي ألا تعترينا الدهشة إذا علمنا أنه كانت لصلاح عبدالصبور محاولات في كتابة القصة القصيرة، نشر عددا منها في مجلة "الثقافة" التي كان يصدرها محمد فريد أبو حديد

وأوكل لعبد الصبور ورفاقه من شباب الأدباء والنقاد الذين كانوا يجتمعون في نادي المعلمين أن يتولوا أمرها في بداية خمسينيات القرن العشرين، وبالفعل أصدروا منها سبعة أعداد، أظهر فيها صلاح عبدالصبور نزوعا نحو الكتابة القصصية متأثرا بعدد من أصدقائه الذين كانوا يكتبون فن القصة مثل: عبد الرحمن فهمي وفاروق خورشيد وأحمد كمال زكي ـ كما أشار في كتابه على مشارف الخمسين- وإن كان السبب الأعمق- في تصوري الشخصي- لا يعود فقط إلى ظاهرة المحاكاة التنافسية بين الأقران التي يتحدث عنها علماء نفس الإبداع بل يرجع  إلى أن طبيعة إدراك الوجود في العالم الشعري لدى عبدالصبور  كانت دائما مرتبطة بالصراع المفضي إلى الدراما، وهو ما نلمحه في أول قصيدة/رحلة في الليل في أول ديوان/  الناس في بلادي إذ  يصور عبدالصبور في المقطع الثالث من القصيدة الصراع غير المتكافئ بين الأجدل المنهوم والطائر الصغير أو بين سطوة العالم ومشاعر الشاعر:

ذات مساء حط من عالي السماء أجدل منهوم
ليشرب الدماء
ويعلك الأشلاء والدماء
وحار طائري الصغير برهة
ثم انتفض
معذرة صديقتي حكايتي حزينة الختام
لأنني حزين.

لندرك فحوى استعارة صلاح لمصطلح "الحكاية" قرين مصطلح "القصة" ليقترب من روحها، حيث الصراع أشد وضوحا في القصة القصيرة منه في  الشعر الغنائي، والدراما

أشد وضوحا في المسرح كذلك منها في الشعر أيضا، فكان من البدهي أن تأتي مجموعة كبيرة من قصائد عبدالصبور الغنائية متعددة الأصوات، حافلة بالحوار، مفعمة برموز الصراع، معتمدة على الحركة السردية وتعدد المقاطع، وتفعيل تقنية المفارقة بمستوياتها المتعددة، وتوظيف تقنية  القناع التي كان المسرح أبو الفنون أول من وظفها على خشبته، ولذلك كان صلاح عبدالصبور يقول: إن قصيدة القناع هي التي قادته إلى كتابة المسرح؛ ليجعلنا نعود إلى زمن المسرح الإغريقي الذي عاصره سقراط.

حيث نجد أحد أهم أسباب النزوع الدرامي لدى عبدالصبور متمثلا في تأثره اللافت بسقراط أو ما يمكن أن أطلق عليه الجذر الدرامي الفلسفي البعيد حيث افتتنان شاعرنا  بطريقة تفكير سقراط في الوصول إلى الأفكار  وتثمينه لنهح  الجدل والحوار بل إيمانه بأن  الإنسان لن يصل إلى الحقيقة إلا بهما؛ فنراه يقول في كتابه حياتي في الشعر: "ومن خلال.. الحوار تتولد الحقيقة التي يحدثنا سقراط أنه من المستحيل أن تنغرس في نفس الإنسان، ويعلمنا أنه لابد من إدراكها بالجدل، الذي يبدأ بالفكرة أي الذات الناظرة, ثم امتحان الفكرة بالشك أو التأمل في الذات المنظور فيها، مستعينة في ذلك بالحقائق العيانية وهي الأشياء". بل إن عبدالصبور أيضا عرف  القصيدة بأنها نوع من الحوار الثلاثي بين الذات الناظرة والذات المنظورة والأشياء.

والحوار أداة المسرح الأولى بامتياز؛

فكان لابد أن تقود كل هذه العوامل

المؤثرة وغيرها من العوامل السياسية والاجتماعية صلاح عبدالصبور إلى كتابة القصيدة الدرامية والمسرح الشعري  المتمثل جوهر الدراما  دون التباس ببقايا الغنائية التي خالطت تجارب المسرح الشعرى الأولى في الوطن العربي، كما كنا نرى لدى أحمد شوقي وعزيز أباظة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة