أكدت تشيوما سيندي، مسئولة فنية بارزة وعالمة أوبئة في المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC)، خلال ندوة عبر الفيديو لمنظمة الصحة العالمية عن الاستعداد للوباء القادم، أن وكالات الصحة العامة الوطنية تمثل الأساس الذي تستند إليه أعمال المراكز الأفريقية، فهي "عيوننا وآذاننا على الأرض" والمنفذ الرئيسي للاستجابة الصحية العامة.
وأوضحت، أن تجربة القارة الأفريقية أظهرت أن الحوكمة القوية تمثل حجر الأساس لبناء وكالات صحة عامة وطنية قادرة على الصمود والاستدامة، ورغم عدم وجود نموذج موحد يناسب جميع الدول، فإن الوكالات الناجحة تشترك في عدد من السمات، أبرزها:
وجود تفويض قانوني واضح، التزام سياسي قوي، تمويل محلي مستدام، آليات واضحة للمساءلة، صلاحيات للتنسيق بين مختلف وظائف الصحة العامة.
وأضافت، أن إنشاء وكالة صحة عامة وطنية ليس حدثًا ينتهي في وقت محدد، بل رحلة طويلة تختلف من دولة إلى أخرى، فقد تستغرق عامين في بعض البلدان، بينما قد تمتد إلى 10 سنوات في دول أخرى.
وأشارت إلى أن احتياجات الدول تختلف باختلاف مرحلة التطور، فبعضها يحتاج إلى الدعم في مجال المناصرة وإعداد المبررات، بينما يحتاج البعض الآخر إلى المساعدة في الإطار القانوني أو التشغيل أو بناء القدرات أو تحسين الجودة.
وأوضحت، أن إفريقيا شهدت تقدمًا ملحوظًا؛ إذ ارتفع عدد وكالات الصحة العامة الوطنية المكتملة من 13 وكالة عام 2018 إلى 27 وكالة حاليًا، فيما تمر 19 دولة أخرى بمراحل مختلفة من التأسيس.
وأضافت، أن المركز الأفريقي، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وشركاء آخرين، طورت إطارًا شاملاً لإنشاء وتعزيز وكالات الصحة العامة الوطنية، يتضمن خارطة طريق واضحة للدول.
يذكر، أن وكالة الصحة العامة الوطنية، هي "هيئات حكومية رسمية تتولى مسئولية حماية صحة السكان والوقاية من الأمراض، تدير هذه الوكالات برامج التطعيم، وتراقب الأوبئة، وتستجيب للطوارئ الصحية، وتصدر إرشادات السلامة العامة للحد من المخاطر البيئية والمعدية.
ومن أبرز أشكال الدعم التي يقدمها المركز الإفريقي:
المناصرة السياسية رفيعة المستوى لضمان الالتزام الحكومي والتمويل المستدام، و تبادل الخبرات بين الدول من خلال مراكز التميز الإفريقية، والتعاون مع المؤسسات الأوروبية للاستفادة من أفضل الممارسات العالمية.
برامج القيادة وإدارة التغيير..
تطبيق نظام إدارة الجودة ISO لتعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة، و بناء شراكات استراتيجية لتنسيق المساعدات الفنية وتجنب ازدواجية الجهود.
وأكدت، أن دور المراكز الإفريقية ليس فرض نموذج معين للحوكمة، وإنما مرافقة الدول خلال رحلة بناء وكالات الصحة العامة الوطنية وتقديم الدعم الفني وتبادل الخبرات.
الدروس العالمية
من جانبه أكد نيل سكوايرز، الأمين العام للرابطة الدولية لمعاهد الصحة العامة الوطنية، أن نجاح وكالات الصحة العامة يعتمد على عنصرين أساسيين هما المصداقية والثقة.
وأوضح، أن المصداقية تتطلب امتلاك الوكالات مجموعة واضحة من الوظائف الأساسية، تشمل:
إدارة الطوارئ الصحية، و الترصد الوبائي وتحليل المعلومات، و إدارة المختبرات والتشخيص، و التواصل بشأن المخاطر، و إصدار الإرشادات العلمية المبنية على الأدلة، و امتلاك كوادر مؤهلة ومدعومة بتمويل مستدام ومرن.
وأضاف، أن الثقة عنصر لا يقل أهمية، إذ ينبغي أن تحظى الوكالات بثقة الحكومات، مع قدرتها في الوقت نفسه على تقديم الحقائق العلمية واتخاذ مواقف تستند إلى الأدلة حتى عندما تكون صعبة.
و شدد، على ضرورة أن تحظى الوكالات بثقة الجمهور، وهو ما يتطلب درجة مناسبة من الاستقلال العلمي تضمن نشر الأدلة العلمية بشفافية وإطلاع المواطنين عليها في الوقت نفسه الذي تُعرض فيه على الحكومات.
وأشار، إلى أهمية بناء علاقات طويلة الأمد مع المجتمعات المحلية وعدم الاكتفاء بالتواصل أثناء الأزمات، وكذلك إقامة شراكات مستمرة مع قطاعات الصحة الحيوانية والبيئة والقطاعات الأخرى قبل وقوع الأزمات، إضافة إلى تعزيز التعاون بين وكالات الصحة العامة في مختلف الدول، لأن الأمراض لا تعترف بالحدود.
وأكد، أن وجود إطار قانوني يمنح وكالات الصحة العامة الصلاحيات اللازمة يساعدها على استخدام الموارد بكفاءة، لكنه شدد أيضًا على أن الاستعداد للطوارئ يجب أن يكون جزءًا من منظومة الصحة العامة الشاملة، بما يشمل مكافحة الأمراض غير السارية وتعزيز مرونة الأنظمة الصحية.
تحويل نتائج الدراسة إلى إصلاحات عملية..
وأكد المشاركون، أن الهدف من هذه الدراسة لا يقتصر على إنتاج المعرفة، بل يتمثل في تحويل الدروس المستفادة إلى إصلاحات عملية تساعد الدول على تحسين جاهزيتها للطوارئ.
وأشار مسئولو منظمة الصحة العالمية، إلى أن التحدي لم يعد تقنيًا فقط، بل يتعلق أيضًا بالحوكمة، والتمويل، والأطر القانونية، وصلاحيات المؤسسات، وهي عوامل قد تعوق أداء الوكالات حتى وإن امتلكت أفضل القدرات الفنية.
وأوضحوا، أن هذه الدروس تنطبق على جميع الدول، بغض النظر عن مستوى دخلها أو نموذجها المؤسسي.
وأضاف نيل سكوايرز، أن عملية التطوير يجب أن تنطلق من واقع كل دولة، لأن الحكومات غالبًا ما تعرف احتياجاتها، لكن المطلوب هو توفير الموارد والدعم اللازمين لتنفيذ الحلول التي تطورها بنفسها.
وفي كلمته الختامية، أكد الدكتور كوماران، أن الأمن الصحي رحلة مستمرة وليس هدفًا نهائيًا، شأنه في ذلك شأن التغطية الصحية الشاملة.