لم يستيقظ الوالى عباس باشا فى موعده صباح يوم 14 يوليو 1854، وكان فى قصره بمدينة بنها بمحافظة القليوبية، واستبطأه أحمد باشا يكن وإبراهيم باشا الألفى، فدخلا عليه لكنهما وجداه قتيلا منذ الليل، لتنتهى بذلك فترة حكمه لمصر والتى استمرت 5 سنوات و7 أشهر و19 يوما، وبدأت بعد وفاة عمه إبراهيم باشا، وفى وجود جده محمد على باشا، وفقا لما يذكره الدكتور زين العابدين شمس الدين نجم فى كتابه «مصر فى عهدى عباس وسعيد».
كان «عباس باشا» فى رأى وزيره «نوبار باشا»: «يجسد دائما صورة السيد الكبير الأمير الشرقى، كان يعيش بحق فى عزلة ووحدة يدبر كل شىء بمنتهى الاستبداد من داخل أعماق قصره، يطاع بشكل تام طاعة عمياء من الجميع، كان القصر الذى أنشأه لنفسه فى صحراء العباسية قد تم تأثيثه بذوق مرهف على أيدى كبار الفنانين، لكن على الرغم هذا كان القصر وأثاثه كئيبا، ويمكن أن أقول: إنه كان مغلفا بالسكون ويهيأ لك فى أى لحظة أنه يمكنك سماع ذبابة وهى تطير».
يضيف نوبار فى مذكراته: «كنت فى بعض الأحيان أحس بالانقباض وأنا أسير داخل القصر وبداخلى إحساس بالبرودة العارمة لا نهاية لها، كانت مصر كلها على مدار سنوات حكمه تشبه سراى عباس، حيث لم يكن الناس يتزاورون أو حتى يدعو بعضهم بعضا، وكان كل فرد يعيش منطويا ومنعزلا فقد كان خليفة إبراهيم رجلا قاسيا إلى حد التوحش».
كانت حياة عباس «يكتنفها الغموض ومحاطة بالأسرار، وهو أمر كان يتماشى مع طبيعته ووفق إرادته، وكانت وفاته أيضا على المنوال نفسه، ولكن بغير إرادته ودون تدخل منه»، بتقدير الدكتور زين العابدين شمس الدين، مضيفا أن هناك روايتين حول مقتله، الأولى «أن الأميرة نازلى عمة عباس أنفذت من الآستانة (عاصمة الدولة العثمانية) مملوكين من مماليكها، وكانا على قدر كبير من الجمال بحيث يغريان وكيل عباس على شرائهما، وعندما رآهما الوكيل فى سوق الرقيق قام بشرائهما، وأحضرهما إلى قصر عباس فى بنها، فلما رآهما عباس أعجب بهما وعهد إليهما بحراسته ليلا، ولبث المملوكان يستجمعان قوتهما إلى أن جاء دورهما فى الحراسة فاقتحما غرفة نوم عباس وهاجماه أثناء نومه، وقتلاه خنقا دون أن يتركا فرصة للاستغاثة أو الدفاع عن نفسه، ثم نزلا إلى الاسطبلات وتظاهرا بطلب جوادين لقضاء حاجة لمولاهما، فلم يشك السائس فى الأمر، وانطلقا فارين إلى القاهرة ومنها إلى الآستانة حيث منحتهما الأميرة نازلى مكافأة سخية على نجاح المؤامرة، ويذكر «نوبار باشا»: «يقال إن نازلى هانم أغرت اثنين من مماليكه بجسدها ليلة، صحيح أنه ليس هناك ما يعطينى الحق فى تصديق مثل هذه الراوية، لكن أيضا لا يوجد أيضا ما يمنعنى من الأخذ بها».
أما الرواية الثانية و«هى الأكثر شيوعا» بتقدير شمس الدين، ويذكرها قائلا إن حاشية عباس ويقال لهم «إيج أغاسيه» قد استطالوا بالغمز واللمز على رئيسهم خليل درويش بك، وذلك لأنه أساء معاملتهم، وهو أحد غلمان عباس الأخصاء وكان يعرف بحسين الصغير لأن عباس قربه إليه، ومنحه عن غير جدارة رتبة قائمقام رغم حداثة سنه، وصار كلما مر عليهم يرمونه بأقوال قبيحة وألفاظ شائنة، فشكاهم إلى عباس الذى أمر بجمعهم وأمر حسين بك بجلدهم وتجريدهم من نياشينهم وألبسهم لبدا وزعابيط «ملابس خشنة» وأرسلهم لخدمة الخيول فى الإسطبلات، فعز ذلك على مصطفى باشا أمين خزينة عباس، لأنهم «خشاديشه»، أى أتباعه المقربون، حيث التمس من الوالى العفو عنهم لكن عباسا لم يقبل شفاعته فسعى بكل جهده لدى أحمد باشا يكن وإبراهيم باشا الألفى محافظ القاهرة عندما حضرا إلى قصر عباس فى بنها، وترجاهما فى تحقيق طلبه، واستجاب عباس لطلبهما، وأمر بالعفو عنهم وردهم إلى مناصبهم، وتقدموا لتقديم الشكر إليه لكنهم كانوا يضمرون له السوء ويريدون الفتك به، وتآمروا مع غلامين من خدم السراى هما عمر وصفى وشاكر حسين «وقيل غلام واحد هو الأول» واتفقوا جميعا على قتل عباس.
يضيف شمس الدين: «كان من عادة عباس عند نومه أن يقوم على حراسته غلامان من مماليكه، وفى يوم الخميس 13 يوليو، مثل هذا اليوم، ليلة الجمعة 14 يوليو 1854 تولى الغلامان المذكوران حراسته وفى غسق الليل قاما بفتح الباب للمؤتمرين، فدخلوا على عباس وهو مستغرق فى نومه، ولما أرادوا الفتك به استيقظ وحاول النجاة، ولكن عمر وصفى منعه وأعاده إليهم فتكاثروا عليه وقتلوه وأوعزوا إلى الغلامين بالهرب لتتم الحيلة، وكتم المتآمرون الأمر إلى صبيحة اليوم التالى، ولما لم يستيقظ فى ميعاده استبطأ أحمد باشا يكن وإبراهيم باشا الألفى فدخلا عليه فوجداه مقتولا، فذعر لهول الموقف وكتما الخبر».