تامر كمال

ثنائي القطب: جريمة النفس في حق العقل

الإثنين، 13 يوليو 2026 05:51 ص


ليست كل الجرائم ترتكب بإرادة أصحابها، وليست كل المعارك تخاض بالسلاح، ولكن هناك معارك تدور في صمت داخل الإنسان، لا يسمع صداها أحد، ولا يلمح آثارها المارة في الشوارع أو زملاء العمل أو حتى أقرب المقربين.

إنها حرب يخوضها العقل مع اضطراب يبدل إيقاع الحياة، فتارة يبدو العالم واسع وممكن، وتارة يضيق حتى يصبح التنفس نفسه مهمة شاقة.
ومن هنا جاء عنوان ثنائي القطب " جريمة النفس في حق العقل" ليس بوصفه حكم على المريض، وإنما كاستعارة أدبية ترسم قسوة الصراع الذي يفرضه المرض على صاحبه، بينما الحقيقة العلمية تؤكد أن اضطراب ثنائي القطب حالة طبية معقدة لا علاقة لها بضعف الشخصية أو الإرادة.

قد يكون أكثر ما يربك هذا الاضطراب أنه لا يمنح المصاب فرصة للاستقرار طويلا ، فالعقل الذي يقود الإنسان نحو التفكير المتزن واتخاذ القرار قد يجد نفسه، في لحظات معينة، مدفوعًا بطاقة هائلة لا تعرف الحدود. تتسارع الأفكار، ويزداد الكلام، وتتضخم الثقة بالنفس، ويبدو كل شيء ممكن، وكأن الحياة فتحت أبوابها دفعة واحدة. لكن هذا المشهد لا يلبث أن ينقلب، فيهبط الإنسان إلى منطقة أخرى يسكنها الحزن وفقدان الشغف والإرهاق النفسي، حتى تصبح أبسط المهام اليومية عبئًا يفوق الاحتمال، وبين هذين النقيضين يعيش المصاب رحلة لا يختار محطاتها، ولا يحدد موعد بدايتها أو نهايتها.

ولسنوات طويلة حاول العلماء الإجابة عن سؤال يبدو بسيط " لماذا يصاب بعض الناس باضطراب ثنائي القطب بينما لا يصاب آخرون؟ " لكن الإجابة جاءت أكثر تعقيدا من السؤال نفسه. فلا يوجد سبب واحد يمكن اتهامه، بل شبكة متداخلة من العوامل، تبدأ من الجينات التي قد تمنح استعداد للإصابة، ولا تنتهي عند الظروف الحياتية التي قد توقظ هذا الاستعداد بعد سنوات من السكون.
فوجود تاريخ عائلي للمرض يزيد من احتمالية الإصابة، لكنه لا يجعلها أمر حتمي، لأن الوراثة تمنح القابلية، ولا تكتب المصير.

وفي أعماق الدماغ، تعمل مليارات الخلايا العصبية في تناغم مذهل، تتبادل الرسائل عبر مواد كيميائية دقيقة تحافظ على توازن المشاعر والانفعالات. وعندما يختل هذا التوازن، تتغير طريقة استجابة الإنسان للعالم من حوله.
فلا يعود الأمر مجرد حزن أو فرح، بل اضطراب في النظام الذي ينظم الإحساس بالطاقة، والنوم، والانفعال، والقدرة على التفكير بهدوء. ولهذا ينظر الأطباء إلى اضطراب ثنائي القطب باعتباره اضطراب بيولوجي معقد، لا مجرد حالة نفسية عابرة.

لكن الدماغ لا يعيش بمعزل عن الحياة فالضغوط النفسية القاسية، وفقدان شخص عزيز، والانفصال، والأزمات الاقتصادية، وضغوط العمل أو الدراسة، وحتى الحروب والكوارث، قد تتحول لدى بعض الأشخاص إلى نقطة البداية التي يظهر عندها المرض لأول مرة.
كما أن اضطراب النوم، الذي يراه كثيرون مجرد عادة سيئة، يمثل أحد أكثر العوامل قدرة على تحفيز نوبات الهوس، وهو ما يجعل ساعات النوم المنتظمة جزء من العلاج، وليس مجرد نصيحة لتحسين نمط الحياة.

وتزداد الصورة تعقيدا عندما يدخل تعاطي المخدرات أو الكحول إلى المشهد، إذ قد يخدع البعض أنفسهم باعتقاد أنها وسيلة للهروب من الألم، بينما هي في الحقيقة توسع دائرة المعاناة، وتزيد شدة النوبات، وتضعف الاستجابة للعلاج، وترفع احتمالات الانتكاس. كما أن بعض التغيرات الهرمونية أو الأمراض العضوية قد تؤثر في استقرار المزاج، وهو ما يدفع الأطباء إلى إجراء تقييم شامل قبل تثبيت التشخيص.

وربما تكون المشكلة الأكبر التي تواجه المصاب ليست المرض ذاته، وإنما سوء فهم المجتمع له. فما زال كثيرون يخلطون بين الاضطرابات النفسية وضعف الإرادة، أو يفسرون التقلبات المرضية على أنها مبالغة أو سوء تصرف، بينما يقف المريض في المنتصف، يحاول أن يشرح ما لا تستطيع الكلمات شرحه.
ولهذا تبقى الوصمة الاجتماعية واحدة من أخطر العقبات أمام العلاج، لأنها تدفع بعض المرضى إلى الصمت، وتؤخر طلب المساعدة، فتتفاقم الأعراض التي كان يمكن السيطرة عليها مبكرا.

ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة كما يعتقد البعض فاضطراب ثنائي القطب، رغم تعقيده، من الاضطرابات التي يمكن التعايش معها والسيطرة عليها بدرجة كبيرة عند الالتزام بالعلاج الدوائي، والمتابعة الطبية، والعلاج النفسي، وتنظيم النوم، والابتعاد عن المخدرات والكحول، مع وجود بيئة أسرية واجتماعية داعمة تدرك أن المريض لا يحتاج إلى الشفقة، بقدر ما يحتاج إلى الفهم.

وفي النهاية، يبقى عنوان ثنائي القطب بأنه "جريمة النفس في حق العقل" تعبير أدبي عن قسوة الصراع الذي يفرضه المرض على الإنسان، لا عن حقيقة علمية أو حكم أخلاقي، فالمصاب ليس خصم لعقله، ولا جاني على نفسه، بل إنسان يواجه اضطراب طبي معقد، وكلما ازداد المجتمع وعي بحقيقته، تراجعت الوصمة، وازدادت فرص العلاج، واستعاد كثير من المرضى حقهم في حياة مستقرة، ومنتجة، وكريمة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة