وصل النسيج "بايو" الأثرى، الذى يعود تاريخه إلى ألف عام، إلى المتحف البريطاني في لندن، في رحلة تمت بسرية تامة وتحت حراسة شرطية مشددة ، وقد جرى تفريغ صندوق أسود ضخم محاط بغلاف شبكي من الألومنيوم جرى تصميمه خصيصاً لحماية الأثر من الاهتزازات والتلف من شاحنة صفراء، وفقا لما نشره موقع" artnews".
الأهمية التاريخية والأبعاد السياسية
تُعد إعارة فرنسا لهذه اللوحة التطريزية البالغ طولها 70 متراً حدثاً تاريخياً، إذ يُعتقد أنها المرة الأولى التي تعود فيها هذه القطعة إلى إنجلترا منذ ألف عام.
ويرجح الخبراء أن راهبات مدينة "كانتربري" هن من نسجنها لتوثيق أحداث معركة "هاستينغز" والغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066.
وتتجاوز هذه الخطوة قيمتها الفنية لتصبح أداة سياسية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين باريس ولندن، لا سيما مع سعي القارة الأوروبية لتوحيد صفوفها ضد المخاطر المشتركة، وتقليل الاعتماد على الحليف الأمريكي في ظل التقلبات السياسية لإدارته الحالية.
وفي بيان له نشرته صحيفة "التايمز" اللندنية، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الإعارة تحمل أبعاداً أعمق من مجرد نقل أثر فني، مشيراً إلى أن البلدين اختارا العمل معاً لمواجهة التحديات الراهنة، مثل أمن القارة، والسيادة التكنولوجية، والابتكار، والطاقة، والديمقراطية، وإزالة الكربون.
من جانبه، أيد مدير المتحف البريطاني "نيكولاس كولينان" هذه الرؤية في مقال له بصحيفة "لوموند" الفرنسية، معتبراً أن ائتمان دولة أخرى على كنز ثقافي بهذا الحجم هو خطوة تتخطى حدود الدبلوماسية التقليدية لتجسد أسمى معاني الثقة والصداقة.
تحديات النقل واعتراضات الخبراء
جاءت عملية النقل بعد أشهر من التخطيط المعقد والدراسات التقنية، نظراً لحالة السجادة شديدة الحساسية وما تحتويه من ثقوب وتمزقات.
وشهد المشروع انقساماً في الآراء، حيث وصفه الفنان الراحل "ديفيد هوكني" بـ"الجنون"، كما قدمت منظمة تراثية فرنسية طعناً قانونياً لوقف النقل، إلا أن فشل هذا الطعن مهد الطريق للمشروع.
وأوضح ماكرون أن فرقاً مشتركة من أمناء المتاحف والمرممين والمهندسين من فرنسا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى عملوا بجهد لابتكار بروتوكولات تضمن سلامة وأمن القطعة أثناء النقل والعرض.
واحتفاءً بالحدث، نشر الرئيس الفرنسي صورة على منصات التواصل الاجتماعي تُظهر عرضاً ضوئياً لشريط من النسيج على منحدرات "دوفر" البيضاء مرفقاً بكلمة "شكرًا".
مرحلة التأقلم وإجراءات العرض الدقيقة
وفقاً لتصريحات "كولينان" لصحيفة "التايمز"، ستظل السجادة الأثرية داخل صندوق النقل المخصص لها خلال الأيام القليلة القادمة حتى تتكيف مع بيئتها الجديدة.
وعقب هذه المرحلة، سيتولى نحو 100 موظف من المتحف البريطاني جرى اختيارهم بدقة لتشابه أطوال قاماتهم عملية نقل النسيج بعناية فائقة ليوضع في صندوق عرض جديد يتيح للجمهور رؤيته بشكل أفقي ممتد على كامل طوله، بعد أن كانت تُعرض لسنوات طويلة داخل متحف "بايو" في منطقة نورماندي الفرنسية بتصميم يتخذ شكل حدوة حصان.
حجز التذاكر والتبادل الثقافي
سيكون بمقدور الزوار مشاهدة هذه التحفة الفنية اعتباراً من شهر سبتمبر المقبل، ونظراً للإقبال الهائل، فقد نفدت بالكامل تذاكر المعرض المخصصة للعام الجاري، في حين لا تزال هناك فرص متاحة للحجز لعام 2027.
وفي المقابل، تتضمن صفقة التبادل الثقافي قيام المتحف البريطاني بإعارة فرنسا مجموعة من الكنوز التاريخية القيّمة، ومن أبرزها مقتنيات "ساتون هو" الجنائزية التي ترجع للقرن السابع الميلادي، وقطع شطرنج "لويس" الشهيرة المنحوتة في القرن الثاني عشر، إلى جانب قطع أثرية أخرى.

نسيج البايو