الأقصر رمز من رموز القوة الناعمة لمصر
تعددت الأسماء التي أُطلقت على مدينة الأقصر في تاريخها، وأشهر هذه الأسماء: مدينة المئة باب، ومدينة الشمس، ومدينة النور، ومدينة الصولجان. أما كلمة الأقصر فهي الكلمة العربية التي أطلقها العرب بعد الفتح على هذه المدينة، وهي جمع قصر؛ نظرًا لكثرة المباني والمعابد التي شاهدها العرب فيها مع ظهور الفتح الإسلامي، واندهاش العرب وانبهارهم بهذا الكم الهائل من المباني في هذه المدينة، مما جعل العرب يعتبرونها مجمعًا للقصور، وبالتالي سميت الأقصر.
ومدينة الأقصر مدينة لها طابع فريد ربما لا يوجد في أي مكان آخر في العالم، فهي مدينة تجمع بين سحر الماضي وجمال الحاضر، في الوقت نفسه، فعندما تتجول في هذه المدينة لا تجد بقعة من بقاعها لا يوجد بها أثر يذكرنا بحضارة مصر القديمة من عصر من العصور المصرية القديمة المختلفة، ومن هنا اكتسبت هذه المدينة صفة الجذب السياحي منذ بداية القرن الثامن عشر، وربما قبل ذلك؛ لأنه بدأ الناس في أوروبا وأمريكا والعالم ينتبهون إلى ما تتميز به هذه المدينة من طابع فريد.
فأصبحت مكانًا للجذب السياحي في مصر، وربما أيضًا كان لسحر المناخ، خاصة في فصل الشتاء، الأمر الذي جعل الأجانب يأتون إلى هذه المدينة في الشتاء ليس فقط لمشاهدة عجائب الآثار المصرية، وإنما أيضًا ليستمتعوا بهذا الجو الدافئ الجميل وهذه الشمس الساطعة الرائعة، فلذلك بدأت هذه المدينة تكتسب هذه الصفة بأنها شكل من أشكال القوة الناعمة لمصر، حيث إن العالم كله ينظر إليها، وخاصة في فصلي الشتاء والخريف، كمكان يمكن قضاء وقت جميل فيه، في الوقت نفسه الذي تصبح فيه أوروبا وأمريكا مكانًا باردًا.
ومن أهم الآثار التي تضمها الأقصر معبد الأقصر، ومجموعة المعابد المعروفة بمعابد الكرنك، ومقابر وجبانة وادي الملوك والملكات، ومجموعة معابد ملايين السنين، وكذلك مقابر الأشراف وغيرها من الآثار الخالدة. نضيف إلى ذلك مجموعة المتاحف التي قامت الدولة بإنشائها على أحدث مستوى عالمي، مثل متحف الأقصر، وكذلك متحف التحنيط، وغيرها من الأماكن والمزارات الأثرية، ولذلك نجد أن جزءًا كبيرًا جدًا من السياحة الثقافية الوافدة إلى مصر وجهتها هي الأقصر.
ومن أهم المعالم الأثرية في مدينة الأقصر معبد الأقصر، وهو أشهر المعابد الذي يتوسط المدينة، وشُيد هذا المعبد في الأساس للإله آمون رع، وكان هناك احتفال سنوي يسمى عيد الأوبت يربط بين مجموعة معابد الكرنك وبين معبد الأقصر، حيث ينتقل الملك في موكب إلهي من معابد الكرنك بطريق البر والنيل إلى معبد الأقصر.
وإذا ما نظرنا إلى الاحتفالات الموجودة الآن ضمن التراث الشعبي الأقصري، فنجد أنه لا تزال بعض الاحتفالات الخاصة بالموالد والطرق الصوفية تتشابه إلى حد كبير مع هذه الاحتفالات التي كانت تميز الفترة المصرية القديمة، حيث ينتقل الناس عن طريق النيل حاملين المراكب الآن على وسائل نقل، وفي القديم كانت تُحمل، كما يظهر على النقوش، على أكتاف الناس، ويُنتقل بها من هذا المكان إلى الجهة الأخرى، على وجه التحديد عبر النيل، وهذا يدل على استمرارية الحضارة المصرية وعمق جذورها في نفوس المصريين، على الرغم من اختلاف الزمان واختلاف الأديان والمذاهب الدينية.
وربما نجد في معبد الأقصر ظاهرة لا نجدها في مكان آخر في العالم، حيث نجد أن هناك معبدًا مصريًا قديمًا، ثم كنيسة تدل على ممارسة العقيدة المسيحية في هذا المكان، ثم مسجد أبي الحجاج الأقصري، وتمثل هذه الأعمدة جزءًا من عمارة المسجد بنقوشها الهيروغليفية وجميع ما بها من بقايا الفترة المصرية القديمة، ولا يستنكف الناس الصلاة في هذا المكان؛ لأنهم يعلمون أن مسألة الدين هي مسألة أصيلة في الشعب المصري، أيًا كان هذا الدين، فهم يمارسون عبادة الله، كما مارس الأقدمون عبادتهم لآلهتهم. ويرجع بناء هذا المعبد إلى أمنحتب الثالث ورمسيس الثاني، وعُرف في مصر القديمة باسم "إيبت رسيت"، أي الحرم الجنوبي.
ونبدأ عند الدخول إلى المعبد بالصرح الذي شيده رمسيس الثاني، وبه أربعة تماثيل واقفة واثنان جالسان، ويلي هذا الصرح فناء رمسيس الثاني المحاط من ثلاث جوانب بصفين من الأعمدة على هيئة حزمة البردي المغلقة. وفي الجزء الشمالي الشرقي، كما ذكرنا، يوجد مسجد أبي الحجاج الأقصري. أما باقي أجزاء المعبد فقد شيدها أمنحتب الثالث، ويبدأ بقاعة الأعمدة الضخمة ذات الـ14 عمودا، المقسمة إلى صفين، نصل بعدها إلى الفناء الكبير المفتوح، ويحيط به من ثلاث جوانب صفان من الأعمدة، ثم نصل إلى بهو الأعمدة، ويضم 32 عمودًا، ويضم خبيئة الأقصر.
نتقدم داخل هذا المعبد لنصل إلى غرفة القارب المقدس، ونجد أن الإسكندر الأكبر قد شيد في هذا الجزء مقصورة صغيرة تحمل اسمه داخل مقصورة أمنحتب الثالث، وهكذا نصل إلى قدس الأقداس، حيث حجرة التمثال المقدس.
أما عن معابد الكرنك، التي كان يُعرف اسمها بـ"إيبت سوت"، أو معناها "أكثر الأماكن تميزًا"، حيث كان هذا المعبد، أو مجموعة المعابد، من أعظم المعالم الدينية والسياحية في مصر القديمة، ويقع على الضفة الشرقية لنهر النيل، كما كان مقرًا لعدد من الآلهة، ونظرًا لتعدد المعابد به والمقاصير التي كانت تمارس فيها عبادة الإله آمون والطقوس الخاصة بهذا المعبود، الذي كان يتمتع في مصر بمكانة المعبود الرئيسي، ويعتبر هذا الموقع أيضًا مركزًا للثروة والقوة، حيث كان للكهنة سلطة سياسية هائلة في ذلك الوقت. ولابد أن نشير هنا إلى أن نجم الأقصر، أو طيبة، قد لمع في بداية الدولة الوسطى، وذلك بعد عصر الانتقال الأول، ليصبح هذا المكان أحد أعظم وأهم المدن في مصر القديمة، وتزامن ارتفاع وعلو مكانة الإله آمون مع تقدم طيبة وازدهارها حتى العصر البطلمي، واستمر الملوك في الاهتمام بمعبد آمون من خلال مشروعات البناء ومستلزمات الطقوس الدينية، مع بعض الإضافات في العصر الروماني.
وترك كل ملك من ملوك الدولة الحديثة بصمته في هذا الموقع، في مجمع المعابد، أو ما يعرف باسم معابد الكرنك بالأقصر، ويتألف هذا المكان من مجموعة هائلة من المعابد، بما فيها معابد موت ومنتو وبتاح وخنسو وآتون.
والواقع أن معابد الكرنك تظهر براعة المصريين القدماء في فنون البناء والنحت والنقش كما لم تظهرها أي معابد أخرى على الأراضي المصرية، حيث نجد أن الجدران تتزين بنقوش رائعة وتماثيل ضخمة وأعمدة عظيمة البنيان. ومن أبرز معالم المعبد قاعة الأعمدة الكبرى، التي تحتوي على حوالي 134 عمودًا ضخمًا، يصل ارتفاع بعضها إلى 15 مترًا، بينما يصل ارتفاع الأعمدة الكبرى في المنتصف إلى 21 مترًا، وقد بدأ بناء هذه القاعة الكبرى في عهد أمنحتب الثالث، ولكن الزخارف والبناء الرئيسي تم في عهد كل من سيتي الأول ورمسيس الثاني.
ومما يميز معابد الكرنك أيضًا في الفترة الحديثة برنامج الصوت والضوء، الذي يعرض بمجموعة من اللغات العالمية، منها العربية والإنجليزية والألمانية والإسبانية والإيطالية، وهو برنامج أيضًا جاذب للسياح الذين يرون فيه معايشة وقتية للآثار المصرية واقترابًا أكثر منها، ويشهده المتفرجون أيضًا في حالة من الزخم والفرح حول البحيرة المقدسة.
ثم معبد الدير البحري للملكة حتشبسوت، الذي يتكون من ثلاث شرفات، يحتوي كل منها على صف من الأعمدة، وفي نهايته، وفي المستوى الأعلى، يقع فناء مفتوح، خلفه صف أعمدة تتقدمها تماثيل لحتشبسوت بهيئة أوزيرية.
وأيضًا من المزارات السياحية في مدينة الأقصر تمثالا ممنون، وهما ما تبقى من معبد ملايين السنين للملك أمنحتب الثالث، ويصل ارتفاع الواحد منهما إلى 19 مترًا و20 سم، ويعتبر أهل الأقصر أن وجود هذه التماثيل بهذا الوضع نوع من الحماية لمدينتهم.
أما مقابر وادي الملوك والملكات فهي من الأشياء المعمارية التي ربما لا توجد في مكان آخر في العالم غير مصر، فهي منحوتة في باطن الصخر لتكون في مأمن من عبث العابثين، وتتكون كل مقبرة من عدة غرف وسراديب تؤدي إلى حجرة الدفن. ومن أهم هذه المقابر، بطبيعة الحال، مقبرة توت عنخ آمون، ومقبرة رمسيس الثالث، ومقبرة سيتي الأول، ومقبرة رمسيس السادس، ومقبرة أمنحتب الثاني، ومقبرة حور محب، ومقبرة تحتمس الثالث. أما الملكات، فمن أشهرها مقبرة الملكة نفرتاري على البر الغربي، وتعتبر من أهم المقابر الجميلة الرائعة التي امتدت إليها يد الترميم، وهي مبهرة.
وأيضًا معبد الرامسيوم، معبد ملايين السنين، حيث شيد من الحجر الرملي، ويقع غرب نهر النيل، وبناه الملك رمسيس الثاني، ويشبه هذا المعبد معبد الملك رمسيس الثالث المعروف باسم مدينة هابو.
ولا ننسى مقابر الأشراف التي عُثر عليها في البر الغربي، والتي ظهرت على جدرانها النقوش والمناظر المختلفة، منها الدنيوية ومنها الدينية، ومقابر دير المدينة، التي تضم العمال والصناع والفنانين الذين أبدعوا في مقابر ملوكهم، وأبدعوا أيضًا في مقابرهم.
تعتبر الأقصر رائعة روائع المدن المصرية، وفخر الحضارة المصرية، ولا شك أنها تعتبر من أهم ملامح القوة الناعمة في مصر، وجزءًا أيضًا لا يستهان به من الشخصية المصرية التي لها عمق تاريخي وجذور تاريخية لم تتغير عبر العصور.
وبصفة عامة، فإن مدينة الأقصر تعتبر من أهم مفردات القوة الناعمة لمصر، فحيثما ذُكرت مدينة الأقصر في أي مكان في العالم، لابد أن يتبادر إلى الذهن الحضارة المصرية وجمال هذه الحضارة وجذورها الممتدة في التاريخ.