تمثل الثقافة ركنا من أركان الأمن القومي ومنظومة لبناء الإنسان وصيانة الوعي وحماية الهوية وترسيخ الانتماء ومواجهة التطرف والشائعات.
وقد استندت وزارة الثقافة المصرية إلى مسيرة تاريخية وتشريعية طويلة بدأت مع وزارة الإرشاد القومي ثم تبلورت في وزارة الثقافة والإرشاد القومي عام 1958، وقد أسفرت المسيرة عن بناء واحد من أكبر الكيانات الثقافية في المنطقة يضم قصور الثقافة والمسارح والمتاحف الفنية ودار الأوبرا المصرية والهيئة المصرية العامة للكتاب ودار الكتب والوثائق القومية وأكاديمية الفنون والمركز القومي للترجمة وصندوق التنمية الثقافية والجهاز القومي للتنسيق الحضاري ومكتبات مصر العامة وقطاعات الإنتاج الثقافي والفنون التشكيلية والمسرح والسينما والطفل والفنون الشعبية.
ولكن اتساع البنية لا يضمن وحده فاعلية الأداء، فقد توجد منشآت مجهزة لا تعمل بكفاءة، أو مكتبات لا تصل إلى جمهورها، أو أرشيفات لم ترقمن، أو مواهب لا تجد طريقها إلى التدريب والإنتاج. ولذلك، اذا ارتبطت البداية بتطوير أداء المؤسسات الثقافية، فيجب أن يمتد الأمر إلى حسم موقع الثقافة داخل البناء التنفيذي للدولة، لتصبح سياسة وطنية عابرة للوزارات وليس مجرد ملف قطاعي محدود.
وفي هذا السياق، يتمثل التحدي الحقيقي في الحوكمة والتشغيل والتسويق والرقمنة، أكثر منه في بناء المنشآت. ويقتضي ذلك الانتقال تفعيل طاقة تلك المؤسسات عبر إعادة تشغيل الأصول المعطلة، وبناء خريطة قومية للمواقع والمواهب والموارد والاحتياجات، وربط كل مؤسسة بهدف واضح وجمهور محدد ونتيجة قابلة للقياس، حتى يصبح للثقافة حضور يومي في حياة المواطن.
ويستحيل تحميل وزارة الثقافة وحدها مسؤولية بناء الوعي، لأن وعي المواطن تصنعه منظومة كاملة تضم التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والشباب والمحافظات. ولهذا يجب إعداد استراتيجية وطنية للثقافة وبناء الوعي تحدد دور كل جهة وتربط البرامج بالموازنات وتضع مؤشرات للانتشار والمشاركة والتأثير، مع عرض النتائج دوريا أمام مجلس الوزراء ومجلس النواب والرأي العام.
وينهي هذا التصور حالة الجزر المنعزلة التي تنفذ فيها جهات متعددة برامج متشابهة من دون خريطة وطنية أو تنسيق أو تقييم للأثر، كما يفتح بابا لنقاش وطني وتشريعي حول مكانة الثقافة في الدولة وقدرة مصر على حماية وعيها واستثمار تاريخها ومؤسساتها ومبدعيها.
ويبرز في هذا السياق مقترح استحداث مفهوم وزير الدولة للثقافة، لا بوصفه تغييرا شكليا في المسمى، بل باعتباره إعادة تعريف لوظيفة الدولة الثقافية، والانتقال من إدارة المؤسسات إلى قيادة مشروع وطني لبناء الإنسان وتعظيم القوة الناعمة وجعل الثقافة عنصرا فاعلا في التنمية والاقتصاد والسياسة الخارجية.
ويقوم المقترح على أن يتولى وزير الدولة قيادة السياسة الثقافية العامة وتنسيق جهود الوزارات والهيئات والمحافظات والمؤسسات المعنية بتكوين الوعي الوطني ضمن استراتيجية موحدة ذات أهداف زمنية ومؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس، نظرا لتشكل الثقافة في مواقع عدة منها المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية ومراكز الشباب ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية والشارع ومكان العمل، وليس داخل مبنى الوزارة وحده.
وإجرائيا، تتحدد اختصاصات وزير الدولة للثقافة في قيادة الاستراتيجية الوطنية للثقافة وبناء الوعي، وتنسيق سياسات الجهات المعنية، ووضع خريطة وطنية للخدمات الثقافية، ومتابعة عدالة توزيعها، والإشراف على تنمية الصناعات الإبداعية والدبلوماسية الثقافية والتحول الرقمي، كما يتولى حصر الأصول الثقافية ورفع كفاءة تشغيلها ووضع معايير اختيار القيادات وتقييمها وبناء منظومة موحدة للبيانات والحوكمة ومؤشرات الأداء، مع إعداد تقرير سنوي عن حالة الثقافة المصرية يعرض على مجلس الوزراء ومجلس النواب.
ويحقق هذا النموذج التكامل في بناء الوعي ودون المساس باختصاصات الجهات المختلفة، فتظل وزارة التربية والتعليم مسؤولة عن المسرح المدرسي والتربية الفنية والمكتبات والأنشطة، وتتولى وزارة التعليم العالي المسرح الجامعي ومراكز الفنون والبحث العلمي والوعي الطلابي، وتدير وزارة الشباب والرياضة مراكز الشباب، بينما تضطلع التنمية المحلية بالفضاءات العامة، وتتولى السياحة والآثار والخارجية الدبلوماسية الثقافية، على أن يتولى وزير الدولة توحيد الرؤية وتنسيق الأدوار ومنع التكرار وقياس الأثر.
ويتطلب قيام هذه المنظومة بدورها وجود وزير يجمع بين العمق الفكري (رؤية) والكفاءة التنفيذية ( رسالة) ويفهم التراث والمستقبل والفن والاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا، ويستطيع مخاطبة الفنان والمثقف والموظف والمستثمر والشاب والمجتمع الدولي بلغة مناسبة، ويرى أن حماية الهوية لا تتعارض مع الانفتاح، وأن دعم الدولة للإبداع لا يعني الوصاية عليه، وأن نجاحه يقاس بعدد المنشآت التي عادت إلى العمل، والمواطنين الذين وصلتهم الخدمة، والمواهب التي وجدت طريقها، والمنتجات المصرية التي عبرت إلى العالم، وفرص العمل التي صنعتها الصناعات الإبداعية.
من جهة أخرى وعلى مستوى الاستدامة، تؤدي الثقافة وظيفة عامة ورسالة وطنية، لذلك لا يجوز تحويلها إلى نشاط تجاري بحت. وفي المقابل لا ينبغي أن تعتمد المؤسسات الثقافية اعتمادا كاملا على الموازنة العامة أو تترك أصولها دون استثمار رشيد، إذ تمتلك كثير من الهيئات أدوات قانونية لتنظيم العروض وبيع الكتب والمنتجات الثقافية وتقديم الخدمات التدريبية والفنية واستثمار حقوق الملكية الفكرية وإقامة الشراكات وقبول المنح والتبرعات. ولهذا يمكن القول إن الثقافة خدمية في غايتها وقادرة على تحقيق العائد في وسائلها، شريطة أن يوجه هذا العائد إلى تطوير الخدمة وتوسيع انتشارها.
وفي هذا السياق، تكشف التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في تحويل الثقافة إلى قوة اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية، قد ربطت الثقافة بالصناعات الإبداعية والشباب والسياحة والإعلام والتكنولوجيا، وأنشأت مؤسسات متخصصة للتمويل والتدريب والتسويق والانتشار الدولي. ففي المملكة المتحدة يجمع الإطار الوزاري بين الثقافة والإعلام والرياضة والسياحة والمجتمع، وفي كوريا الجنوبية قدمت الوكالة الكورية للمحتوى الإبداعي نموذجا لدعم التخطيط والإنتاج والتوزيع والتصدير وحماية الملكية الفكرية، بينما ربطت سنغافورة الثقافة بالمجتمع والشباب، وقدمت فرنسا تجربة مهمة في استخدام المنصات الرقمية لربط الشباب بالمؤسسات الثقافية والتعليم. ولا تعني هذه التجارب الدعوة إلى استنساخ نموذج أجنبي، بل الاستفادة من مبادئ عامة تتمثل في التكامل الحكومي وبناء مؤسسات متخصصة وتنمية الاقتصاد الإبداعي وتوسيع الإتاحة بالاعتماد على التكنولوجيا والبيانات.
ويستدعي الأمر في هذا الشأن التمييز بين اقتصاد الثقافة وخصخصة الثقافة، فاقتصاد الثقافة يعني تحويل الإبداع والفنون والتراث والنشر والترجمة والسينما والموسيقى والتصميم والحرف والمحتوى الرقمي إلى أنشطة منتجة للقيمة وفرص العمل مع بقاء الدولة مسؤولة عن الإتاحة والعدالة وحماية الهوية. أما الخصخصة غير المنضبطة فتعني انسحاب الدولة وتسليم القرار الثقافي لمنطق الربح، وهو ما لا يجوز قبوله.
ويستلزم التوسع الاقتصادي حصر الأصول الثقافية وتقييم حالتها، وربط خطط الاستثمار برؤية اجتماعية عادلة وضمانات تمنع الاحتكار، مع تخصيص جزء من إيرادات المواقع القادرة لدعم المؤسسات الثقافية في المحافظات الأقل قدرة على توليد الموارد، لأن الثقافة ليست امتيازا للعاصمة والمدن الكبرى وحدها. ويترتب على ذلك حوكمة المنظومة وتفعيل مبدأي المساءلة والشفافية، ووضع قواعد واضحة للرعاية والشراكة مع القطاع الخاص بما يحمي الهوية الوطنية وحرية الإبداع، وإخضاع الخطط والموازنات والنتائج لرقابة برلمانية تقيس عدد المستفيدين وجودة الخدمة وانتشارها وعدالتها.
وتمتلك مصر من التاريخ والتنوع والمؤسسات والمبدعين ما يؤهلها لبناء نموذجها الخاص الذي يجب أن يقوم على استراتيجية ممتدة لا تتغير بتغير القيادات. ويقتضي هذا النموذج إطلاق مشروع وطني لاكتشاف المواهب يبدأ من المدرسة والقرية ومركز الشباب وقصر الثقافة، ويمتد إلى التدريب والرعاية والإنتاج والتشغيل والتسويق حتى لا تضيع الموهبة بسبب الفقر أو البعد الجغرافي أو غياب الدعم المؤسسي. ولا تكتمل هذه الرؤية من دون إعادة بناء الدبلوماسية الثقافية المصرية عبر برامج للترجمة والنشر الدولي والجولات الفنية والأسابيع الثقافية والإنتاج المشترك وربط المراكز الثقافية المصرية في الخارج بأهداف واضحة تتعلق بتعليم العربية وتسويق الكتاب والفنون والحرف والمحتوى المصري وبناء شبكات تعاون مع الجامعات والمهرجانات ودور النشر والمنصات الدولية، مع توجيه اهتمام خاص إلى أفريقيا والعالم العربي والانفتاح على آسيا وأوروبا والأمريكيتين.
كما يفرض التحول الرقمي بناء منصات وطنية للمحتوى وأرشفة التراث المادي وغير المادي وإتاحة العروض والمتاحف افتراضيا وتطوير قواعد بيانات للمبدعين والمؤسسات والجمهور واستخدام التحليلات الرقمية لقياس المشاركة. ويشمل ذلك توظيف الذكاء الاصطناعي في الترجمة والفهرسة والترميم الرقمي وتحسين الإتاحة لذوي الإعاقة وتحليل الجمهور، مع وضع قواعد صارمة لحماية حقوق المؤلف والبيانات الثقافية الوطنية، حتى تظل التكنولوجيا أداة لخدمة الإبداع وتوسيع انتشاره لا بديلا عنه.
ويخلص هذا التصور في نتيجته النهائية إلى أن استحداث مفهوم وزير الدولة للثقافة يستهدف توحيد المسؤولية، حتى تصبح الثقافة سياسة دولة وشريكا في التنمية ومصدرا للقيمة وفرص العمل والتأثير الدولي. وعندئذ تتحول المؤسسات الثقافية إلى منصات حية للمعرفة والإنتاج والتنوير، ويصبح الرصيد الحضاري المصري قوة حاضرة ومستقبلية تسهم في بناء جيل يعتز بهويته وينفتح على العالم ويمتلك أدوات الإبداع والمنافسة.