كشفت وثائق اطلعت عليها وكالة "رويترز" عن ملامح مبادرة أمريكية جديدة لإنهاء الحرب المستمرة في السودان منذ أكثر من ثلاثة أعوام، في وقت أبدت فيه الحكومة السودانية موافقة على معظم بنود المقترح، لكنها اشترطت انسحاباً كاملاً لقوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، معتبرة أن هذا الشرط يمثل الأساس لأي اتفاق سلام دائم.
وتأتي المبادرة في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع الأزمة الإنسانية التي تعد من بين الأسوأ عالمياً، بينما تكثف الولايات المتحدة والأمم المتحدة جهود الوساطة لإحياء مسار التفاوض بين الجيش السوداني، وميليشيا الدعم السريع.
هدنة إنسانية تمهد لاتفاق سلام
ووفقاً للوثائق، يقترح الجانب الأمريكي إعلان هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، بما يسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، ويفتح الباب أمام مفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يليها إطلاق مرحلة انتقالية تقودها حكومة مدنية وصولاً إلى انتخابات عامة.
كما تتضمن المبادرة إنشاء آلية تقودها الأمم المتحدة لمراقبة تنفيذ الاتفاق والإشراف على انسحابات عسكرية محدودة، مع إعطاء الأولوية لولايتي شمال دارفور وشمال كردفان، اللتين تشهدان تصعيداً عسكرياً متواصلاً.
الجيش السوداني يرفض الانسحاب الجزئي
وأظهرت الوثائق، التي أكدت صحتها مصادر سودانية رفيعة، أن الحكومة السودانية قبلت معظم عناصر المبادرة، لكنها اعترضت على بند الانسحابات المحدودة لقوات الدعم السريع.
وأكدت الخرطوم أن أي اتفاق يجب أن ينص صراحة على انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023، وليس تنفيذ انسحابات تدريجية أو جزئية كما تقترحه واشنطن.
ويمثل هذا الموقف امتداداً لموقف الجيش السوداني خلال جولات التفاوض السابقة، حيث اعتبر شرط الانسحاب الكامل أحد أبرز نقاط الخلاف التي أعاقت التوصل إلى اتفاق سلام.
واشنطن تدعو إلى قبول المبادرة دون شروط
ورفضت وزارة الخارجية الأمريكية التعليق على تفاصيل الوثائق، إلا أن متحدثاً باسمها أكد استمرار الاتصالات مع القوات المسلحة السودانية والدعم السريع بشأن الهدنة الإنسانية وخطة السلام.
وقال المتحدث إن الولايات المتحدة تتطلع إلى قبول الطرفين للهدنة وخطة السلام "كما طُرحت ومن دون شروط مسبقة"، في إشارة إلى رغبة واشنطن في تسريع مسار التسوية.
في المقابل، لم تصدر وزارة الخارجية السودانية أي تعليق رسمي على مضمون الوثائق حتى الآن.
جيش وطني موحد وعملية سياسية بقيادة مدنية
وتنص المبادرة الأمريكية كذلك على إطلاق عملية لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، تشمل إنشاء جيش وطني موحد، وتنفيذ برامج لنزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة دمجهم، إلى جانب إطلاق عملية سياسية يقودها المدنيون.
كما تشترط المبادرة استبعاد الميليشيات والعناصر المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة من المشاركة في المرحلة الانتقالية.
بولس: البرهان قبل المقترح
وكان المستشار الأمريكي للشئون الإفريقية، مسعد بولس، قد أعلن الأسبوع الماضي عبر منشور على وسائل التواصل أنه الاجتماعي يشعر بـ"ارتياح كبير" بعدما تبين أن رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان قبل المقترح الأمريكي الأخير، وذلك بعدما كان قد أبلغ مجلس الأمن الدولي في وقت سابق بأن السودان رفض المبادرة.
الدعم السريع رحبت بالمقترح الأمريكي
من جهتها، أكدت الدعم السريع، في تصريحات لـ"رويترز"، أنها تسلمت المقترح الأمريكي ورحبت به، وقدمت رداً مكتوباً بشأنه، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
إلا أن القوات واصلت، في الوقت نفسه، عملياتها العسكرية، خاصة في إقليم كردفان، حيث تشن هجمات بطائرات مسيرة على مناطق يسيطر عليها الجيش، بينما تواصل تعزيز وجودها في إقليم دارفور.
حرب تدخل عامها الرابع
واندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، ومنذ ذلك الحين، تحولت الحرب إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، بعدما أدت إلى نزوح ملايين السودانيين، ومقتل مئات الآلاف وفق تقديرات متعددة، فضلاً عن انتشار المجاعة والأوبئة وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من البلاد.
كما اتهم خبراء بالأمم المتحدة ميليشيا الدعم السريع بارتكاب أعمال ترقى إلى الإبادة الجماعية في إقليم دارفور، الذي لا تزال تسيطر على أجزاء واسعة منه، بينما تنفي قوات الدعم السريع استهداف المدنيين أو ارتكاب انتهاكات بحقهم.