أعلن الاتحاد الأوروبي تراجعه عن خططه السابقة لتقليص أعداد الماشية والأبقار، معلناً تحويل قطاع الثروة الحيوانية من متهم رئيسي في أزمة التغير المناخي إلى بنية تحتية حيوية وأمن قومي لا يمكن المساس به.
وجاء هذا التحول التاريخي بعد سلسلة من الاحتجاجات العنيفة التي قادها المزارعون الأوروبيون بجزاراتهم في شوارع العواصم الأوروبية خلال عامي 2024 و2025، رفضا للقوانين البيئية التي كانت تهدد بإبادة ملايين الأبقار والمواشي بحجة خفض الانبعاثات الكربونية وغاز الميثان.
من مادة للتلوث إلى أمن استراتيجي
وعرضت الاستراتيجية الرسمية الجديدة في ستراسبورغ، استخدمت لأول مرة مصطلحات عسكرية وسياسية لحماية قطاع الماشية. واعتبرت المفوضية الأوروبية أن قطعان الأبقار والمواشي هي أساس "الاستقلال الاستراتيجي" لأوروبا، وأن الحفاظ على المراعي يحمي الحدود الشرقية للقارة من الهجر، مؤكدة أن إنتاج الغذاء هو جزء من خطط "الاستعداد والطوارئ".
وقال رافاييل فيتو، نائب رئيس المفوضية الأوروبية: إن قطاع الثروة الحيوانية لا يقتصر على الزراعة فحسب، بل يتعلق بالقدرة التنافسية، بالأمن الغذائي، وبمستقبل أوروبا بأكملها.
أرقام مرعبة.. كيف كانت أوروبا ستضحي باقتصادها؟
كشف مفوض الزراعة الأوروبي، كريستوف هانسن، عن الأهمية الاقتصادية المرعبة لهذا القطاع، مشيراً إلى أنه يدعم 7 ملايين وظيفة في أوروبا، و يدر عائداً ضخماً يصل إلى 400 مليار يورو سنوياً، و يحقق فائضاً في الصادرات بمقدار 37 مليار يورو.
واعترف هانسن بأن التراجع في أعداد الماشية بات يشكل خطراً أمنياً، مؤكداً بلهجة حاسمة تنهي الجدل حول فرض أنظمة غذائية نباتية على المواطنين: "نحن لا نفرض حميات غذائية على أحد، بل نشجع على حرية الاختيار".
خطط "إبادة الأبقار" التي تبخرت
وكانت دول أوروبية تدرس قرارات صادمة، ففي هولندا تحركت الحكومة لشراء وإغلاق المزارع قسراً لخفض التلوث، وفي أيرلندا (واحدة من أكبر منتجي الألبان) كشفت وثائق مسربة عن خطة حكومية لإعدام 200 ألف بقرة لتحقيق أهداف المناخ، وهي الخطط التي تبخرت تماماً الآن بعد انتفاضة المزارعين.
غضب جمعيات البيئة: "فضيحة وتلاعب"
وفي المقابل، واجه القرار الأوروبي الجديد موجة غضب عارمة من منظمات البيئة، حيث وصفت منظمة "السلام الأخضر" وأكثر من 30 جمعية بيئية هذا التحول بأنه "فضيحة وتفكير تمني"، و اتهمت المنظمات المفوضية الأوروبية بالتلاعب في حسابات غاز الميثان المنبعث من أمعاء الأبقار واعتباره غازاً طبيعياً بيولوجياً مجرد إرضاءً لـ "لوبي المزارعين" والهروب من دفع الضرائب البيئية.
لكن المسؤولين في بروكسل أكدوا أنهم لن يفرضوا قيوداً جديدة قد تقضي على صناعة تعاني بالفعل من هوامش ربح ضئيلة وشيخوخة في العمالة، معلنين عن حاجة القطاع لاستثمارات ضخمة تقدر بـ 18 مليار يورو لدعمه تكنولوجياً بدلاً من معاقبته.