سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 12 يوليو 1968.. أم كلثوم تغنى فى قلعة بعلبك اللبنانية لصالح المجهود الحربى وسط حشد أشبه بمؤتمر عربى والزعيم الدرزى كمال جنبلاط يكسر عزوفه عن سماع الغناء ويتقدم الحضور

الأحد، 12 يوليو 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم 12 يوليو 1968.. أم كلثوم تغنى فى قلعة بعلبك اللبنانية لصالح المجهود الحربى وسط حشد أشبه بمؤتمر عربى والزعيم الدرزى كمال جنبلاط يكسر عزوفه عن سماع الغناء ويتقدم الحضور أم كلثوم

كانت الساعة السابعة والنصف مساء يوم 12 يوليو، مثل هذا اليوم، 1968 حين أضيئت أنوار مسرح قلعة بعلبك فى لبنان، وفتحت الستارة لتطل سيدة الغناء العربى أم كلثوم بفستانها الأبيض وسوار ليبى ذهبى فى يدها اليمنى، لتبدأ وصلتها الأولى فى حفلها الأول ضمن حفلتيها بمهرجان بعلبك الدولى، وذلك ضمن حفلاتها لصالح المجهود الحربى التى بدأتها داخل وخارج مصر بعد هزيمة 5 يونيو 1967.

كانت حفلتا أم كلثوم فى بعلبك «أشبه بمؤتمر عربى، إذا حضرهما عدد كبير من أبناء الدول العربية»، بوصف مجلة «الكواكب» فى عددها رقم 886، الصادر يوم 23 يوليو 1968، ويذكر الكاتب والباحث كريم جمال فى كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربى»، أن حفل يوم 12 يوليو امتلأت فيه المقاعد بخمسة آلاف وزيد عدد كبير من الكراسى وسط الممرات الآثارية، وعدد كبير من سيدات العالم العربى جلسن فى الصفوف الأمامية، منهم السيدة نائلة بن عمار شقيقة زوجة الرئيس التونسى الحبيب بورقيبة وزوجها، ووفد تونسى كبير على رأسه مدير المراسم فى القصر الجمهورى وزوجته، وابنة وزير الخارجية الكويتى وخطيبها، و16 من عائلة ومرافقى الأمير عبدالله الفيصل، وسيدات عراقيات ومغربيات ومن لبنان والسودان.

وحضر الحفل من الشخصيات اللبنانية، سليمان فرنجية - وزير الداخلية آنذاك ورئيس لبنان فيما بعد - مندوبا عن الرئيس شارل الحلو، وسفراء الدول العربية فى لبنان يجلس بينهم فتحى قنديل القائم بأعمال السفارة المصرية، ومن الفنانين، بديعة مصابني، وفيروز والأخوان رحبانى، وصباح، وفيلمون وهبى، ويذكر «كريم جمال» أن أغرب ما لاحظه الصحفيون فى الصفوف الأولى هو وجود الزعيم الدرزى كمال جنبلاط مؤسس الحزب التقدمى الاشتراكى، ودهشوا لأنه يحضر حفلا للغناء للمرة الأولى فى حياته، وهو المعروف بزهده وتصوفه الشديد ، وبقضائه معظم أيامه وحيدا فى بيته فى الجبل، لا يستمع إلى الغناء ولا يحبه، لكن صوت أم كلثوم جذبه، فصوتها كما قال هو بعد الحفلة «يخرج من نبع الهوى الصوفى بكل نقائه وجلاله».

قبل أن تبدأ أم كلثوم وصلتها الأولى صعد إلى المسرح الشاعر والإعلامى والملحن اللبنانى نجيب حنكش ليقدمها، قائلا: «أهلا بمقدرى عبقرية وصوت أم كلثوم، أهلا بجماهير القاسم المشترك لدنيا العرب من المحيط إلى الخليج، وبعد أن أنهى تقديمه نزل من على المسرح لتبدأ الفرقة الموسيقية فى عزف مقدمة قصيدة «الأطلال» شعر إبراهيم ناجي، وتلحين رياض السنباطى، ويصف كريم جمال تفاعل الجمهور معها، قائلا: «انفعلت أم كلثوم كعادتها وهى تغنى مقطع «اعطنى حريتى أطلق يدى»، وضجت آثار القلعة التاريخية بالتصفيق، وتعالت هتافات الجماهير اللبنانية «ما صار.. ما صار»، وهو رجاء لبنانى بالإعادة وطلب المزيد».

يضيف كريم جمال: «كان الجمهور نهما وكانت أم كلثوم كريمة كعادتها، وعند إعادتها لذلك المقطع صعد إلى المسرح شاب وركع وهو يضم يديه باستعطاف فلم تكترث له أم كلثوم، وواصلت غناءها، وظل الشاب يتضرع أمامها حتى جاء رجال الدرك اللبنانى وأنزلوه من على المسرح، ويعلق «جمال»: «كان صعود الجماهير إلى المسرح فى حفلات أم كلثوم ظاهرة جديدة اقترنت بحفلات المجهود الحربي، وربما ارتبطت تحديدا بقصيدة «الأطلال»، فلتلك القصيدة سحر خاص، بل أنها صارت مع الوقت قصيدة العقد وربما القرن كله، وظلت العلامة المميزة والقاسم المشترك فى معظم حفلات المجهود الحربي، ولا يوجد تسجيل لها يطابق نظيره».

يذكر «جمال» بعض المشاهد المثيرة من الجمهور، قائلا أنه خارج أسوار قلعة بعلبك تسلق البعض الجدران والأسوار غير مبالين بشىء، واتخذوا من الأحجار الأثرية مكانا لهم، ومن المشاهد التى نقلتها الصحف عن تلك الليلة، مجئ أحد اللبنانيين يمشى على عكازين، وحين لم يجد مكانا يجلس فيه رفع عكازيه وأخذ يتسلق المدرجات العالية، ونسى إصابته لعله يجد لنفسه موضعا يستمع فيه إلى ام كلثوم، وبعد 82 دقيقة اختتمت أم كلثوم وصلتها الأولى، وأسدل الستار عنها لتدخل حجرتها الملحقة بالمسرح، وفيها استقبلت السيدة فيروز والأخوان الرحبانى، والأمير عبدالله الفيصل، والسيدة نائلة بن عمار والوفد التونسى، وآخرين.

فى وصلتها الثانية، غنت أم كلثوم «فكرونى»، وارتجلت فيها، ويذكر «جمال» أنه كعادتها تلقفت مقطع «كلمونى تانى عنك / بعد طول حرمانى منك» فرصة للسلطنة والتطريب، لدرجة أن أحد أعضاء الفرقة الموسيقية لم يتمالك نفسه وصاح معجبا بأدائها: «الله.. الله يا ست»، وغنت أم كلثوم «فكرونى» فى 81 دقيقة لم تهدأ فيها القلعة وجمهورها لحظة واحدة، وانفعل الجميع ورقص البعض الآخر من دون وعى من النشوة، ومع ساعات الفجر الأولى انهت أم كلثوم ليلتها الأولى فى بعلبك، التى مرت على حضورها كليلة من ليالى الشرق القديمة».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة