كنت أعود من عملى بالقوات المسلحة على فترات زمنية متباعدة لطبيعة العمل بالجيش، وعندما أدخل إلى البيت أسارع بفتح باب غرفته للاطمئنان على طفلى الجديد، وهو فى سبات عميق, يقولون إن النوم يزيد من نمو الأطفال الصغار, ولكن لا لهذا لم أستطع أن أحمله إلى صدرى أو أضمه إلى قلبى, بل لا يمكننى حتى – طواعية وإختيارا- أن أقبله ولو على وجنتيه أو جبينه, ولم أشأ ولو ذات مرة أن أتحسس ملمسه الذى أتلمس نعومته البريئة بعينى, فقط بعينى, التى تكحلت فرحا برؤيته, ولا أعلم سببا واحدا لهذا السر الباطن الذى يجول بخلايا قلبى ويدفعنى إلى إطالة النظر إليه وإشباع عيناى بالنظر إليه, وهولا يعلم كل هذا, ووالدته تجذبنى برفق وروية لأخرج من حجرته حتى ينعم طفلنا بنوم هادىء, وهى أيضا لا تقوى على أن تتفوه ببنت شفاة, تلك رحمة خلقها الله فى قلبينا نحو وليدنا, واستسلم لرغبتها, وتتفلت يدى من أنامله الصغيرة التى لم تطالها إلا فى خيالى فقط, حتى إننى من أمام الباب وعلى بعد من سريره الوثير كنت أهمس صمتا فى أذنيه: أننى أحبه, وأرطب على فلبى المتشقق بجفاف البعد بأن أقول لنفسى: عندما يكبر, وعندما تاح الفرصة بإجازة لى من القوات المسلحة سأتحدث اليه كثيرا, وسأسمعه طويلا, وكنت أخبره سرا أننى أدخره لكبرى, لأتكىء عليه, وكم كنت أحدثه طويلا وكثيرا, وهو يغط فى نوم هادىء بصحبة الملائكة, وكم كنت أتمنى أن أوقظه من نومه لأتحدث إليه وأقبله فأنا لا استطيع أن أقبله حتى لا توقظه من نومه قبلاتى ورأفة به أرسل له بقبلاتى وأنا أقف أمام السرير عن بعد لا أملك إلا الدعاء لفلذة كبدى بحياة قادمة يملؤها الفلاح والقبول من الله, واليوم أيضا أنا لا استطيع أن أوقظه, وفقط أحدثه, وهو أيضا لم يرد على, وأجد أن قدماى اللتين قد منعتنى من الإقتراب لسريره صغيرا رأفة به, هما الآن يدفعانى للركوع إلى الله أمام سريره أيضا لكنه الآن صار كبيرا, وكبيرا جدا,هو الإبن الذى صار سيدا لوالده, وأجد هاتين اليدين يندفعان لاحتضانه وتضمانه إلى قلبى حتى كنت لا أعلم أقلبى الذى توقف؟ أم قلبه هو الذى ينبض؟! وهذه المرة أتمنى لو استطيع أن أوقظه, نعم الآن لدى من الشجاعة واليقين بإرادة كاملة أن أوقظه, ليت صراخ قلبى يوقظه, ليته يحرك ساكنا... "تسمع أذناى الآن كلامى نحوه وليس همسا كما أول يوما فى ميلاده, ووالدته تجلس بجوارى أمام سريرك هى هذه المرة تطلب منى بل تدفعنى أن أوقظك وتتوسل إلى ربها ليعيدك لها, ولم تمنعنى هذه المرة, وأرجو بل أتوسل إليه أن يستيقظ من رقود يقتلنى" ... ليت هذا الرقود كان لى: ألم أقل لك يا ولدى أننى أدخرك لغدى, وأنا الذى لم أحنث بوعد معك قط, لماذا؟ لماذا يا ولدى تقسو على قلب والدك الهرم والمتهشم من الحسرة عليك؟ لماذا لا تقم من سباتك الذى طال وقصر معه عمرى, أرانى الآن نادما لأننى لم أوقظك صغيرا وأجالسك وأتحدث إليك, ربما كنت قلت لك – حينها- أننى أريدك أن تحملنى إلى ربى, وأعلم أنك إبن بار كنت ستسمع وتطيع والدك وتحقق لى رجائى, لكننى لم أوقظك ولم أطلبها منك, ولكنك أيضا لم تطلب منى أحملك وأنا الذى لا أقوى على ذلك يا ولدى, لم يخلق الآباء إلا ليحملوا أولادهم صغارا دلالا ولعبا, وكذا كل الأبناء يدخرهم آبائهم ليحملوهم بعد شيخوختهم, يا ولدى لما خلفت وعدا لم نقطعه سويا؟ أرانى الآن أملك الشجاعة أو هو أمر غير الشجاعة يدفعنى لا أتلمس وجه ابنى الباسم, وأتحسس جسده المرصع بثلاثين طلقة هم من حملوه من بين يدى إلى ربه, نعم إلى الله المقصد, فعندك يا ربى أنا الشيخ الهرم الذى لا حول لى وقوة, أنا أطمأن على ابنى معك, فأنت له أرحم منى, وأنت معه أرفق من والده, لا بكاء بل شرف شرفتنى به يا ولدى, ولا فراق موت بل رحيل إلى الله.
الوالد البطل كان ضابطا بالقوات المسلحة يحكى عن قطعة كبيرة منه وفت عهدها مع الله :" ... والدة الشهيد – زوجتى وشريكة عمرى – كانت مدير عام بشكرة مصر للبترول - بالمعاش – واخوة الشهيد: أحمد حاتم الأبن الأكبر وهو حاصل على بكالوريوس تجارة ويعمل مدير مالى بشركة قطاع خاص موالید 10 ديسمبر ۱۹۸۰, ونوران حاتم: الاخت الصغرى للشهيد وتعمل مهندسة بشركة مصر للبترول من مواليد 9مارس ۱۹۸۸, أما الشهيد أيمن حاتم فهو الابن الاوسط, ولد الشهيد فى يوم 4 شهر سبتمبر ١٩٨٥ فى القاهرة, ايمن ابنى الأوسط وكان لقدومه للحياة فرحة كبيرة, ومنذ صغره كان يتمتع بشخصية قيادية, ورغم اقدامه وشجاعته فكان أكثر الابناء عطفا مع جميع افراد الأسرة والعائلة الاصدقاء, وعند اكتمال عامه السادس التحق بمدرسة الزاهرات الابتدائية بمصر الجديدة, وتم استكمال المرحلة الابتدائية بمدرسة
الشيخة فاطمة بنت مبارك بارض الجوف, واثناء فترة الدراسة بالابتدائي التحق فريق الكرة الطائرة للقوات المسلحة, وكان طموحه ان يلتحق بالخدمة العسكرية, وكان شديد التعلق بها, وعند حصوله على الشهادة الابتدائية كان له الرغبة الشديدة في الالتحاق بالمدرسة الرياضية العسكرية بالاسماعيلية بالصف الأول الاعدادي, وتم قبوله, وتعلم خلالها الحياة العسكرية والانضباط والالتزام, وشارك في كثير من البطولات باسم المدرسة الرياضية للقوات المسلحة، وكان يقضي مع الأسرة إجازة خميس وجمعة فقط نظراً لانها مدرسة داخلية والدراسة مستمرة، ثم التحق بمدرسة مدينة نصر الثانوية, حتى حصوله على الثانوية العامة, وكانت لديه رغبة شديدة لاستكمال مشواره العسكرى, وتقدم لاختبارات الكلية الحربية وكلية الشرطة, وتم قبوله بكلية الشرطة, والتحق خلال الدراسة بفريق المصارعة للكلية نظراً لبناءه الجسمانى الرياضى, وحقق بطولات فى رياضة المصارعة باسم الكلية, وكان يتمتع بين زملائه بروح المرح والمداعبة , وتخرج ايمن من كلية الشرطة عام ۲۰۰۸ وفورالتخرج التحق للعمل بقسم شرطة الجمالية التابع لمديرية أمن القاهرة , وكان من أكفأ الضباط, بشهادة قادته, وعمل في قسم الجمالية خلال أحداث ۲۰۱۱ ورغم الإنفلات الأمنى إلا أنه أصر على التواجد مع أهالي الجمالية لمنع دخول أي متطرفين أوعناصر مشاغبة لمنطقة الجمالية والحسين مما جعل أهالي وتجار منطقة الجمالية يشيدون به وبمواقفه الرجولية, ثم انتقل بعد ذلك للعمل بقطاع المباحث, ثم عين معاون مباحث قسم مصر الجديدة, ثم معاون مباحث قسم شرطة القاهرة الجديدة, وفي إحدى الأكمنة قام بالقبض على أحد العناصر الاخوانية الارهابية, ونظراً لذلك وردت تهديدات له على حياته, وتم نقله لمعاون مباحث قسم شرطة مدينة بدر, وكلف بالقبض على احد العناصر الاجرامية التي قامت بخطف أحد رجال الأعمال بالمدينة, وطلب فدية مادية لطلاق صراحه, وتم القبض عليه وتقديمه للمحاكمة, كذلك قام بضبط كميات كثيرة من مخدر البانجو هو واحد الضباط في دائرة القسم مما أدي إلى تكريمه من مدير أمن القاهرة, وكذلك اثناء تواجده بإحدى الأكمنة المكلف بها بطريق السويس تم الاشتباه باحد الاشخاص, وبتفتيشه عثر معه على علم داعش وخنجر, وقام بتنفيذ اجراءات القبض عليه ونال على إثر ذلك تكريما من مساعد الوزير, ومنذ هذا الحين كانت تأتى له التهديدات له ولاسرته,
واشترك الشهيد البطل في كثير من مهام المطاردة للعناصر الإرهابية والإجرامية فى أثناء تواجده في قسم شرطة بدر بطريق السويس ثم نقل الشهيد البطل إلى قسم شرطة عين شمس معاوناً لمباحث القسم عام ۲۰۱٦ فى شهر سبتمبر وقام بضبط كثير من قضايا السرقات والقتل, حتى كلف بقيادة دورية متحركة هو مجموعة من الجنود والأمناء وأحد الضباط على أن يكون التأمين للدورية المتحركة من ميدان الواحة إلى ميدان محمد زكي في أول طريق السخنة من يوم ٢٧ أبريل ٢٠١٧ حتى يوم ٥/١/۲۰۱۷ تاریخ استشهاد البطل حيث قامت مجموعة من عناصر حسم الاخوانية بقطع الطريق على الدورية الراكبة وقام الابطال بتبادل اطلاق النيران مع هذه العناصر واصابة عدد منهم وأدي ذلك لاستشهاد البطل الشهيد الرائد أيمن حاتم رفعت والرائد محمد وهبه من إدارة تامين الطرق وأمين الشرطة شعبان عبد الرحيم, وقامت وزارة الداخلية بتكريم البطل وتم عمل جنازة عسكرية للشهيد من مسجد اكاديمية الشرطة, وكان يوم عرس له, وتقدم الجنازة السيد وزير الداخلية وقيادات الشرطة وجميع زملاء الشهيد بأكثر من ۲۰۰ عربة حتى دفن في مقابر الاسرة بمدينة نصر وإطلاق ۲۱ طلقة تكريماً له ولدوره البطولي.
كان البطل الشهيد متزوج وله طفل هو حفيدى سيف أيمن حاتم وكان يوم استشهاده في الصف الأول الإبتدائي, وطفلته – حفيدتى- ليان أيمن حاتم وكانت فى الحضانة, وقام الشهيد بالإحتفال بعيد ميلاد ابنه سيف يوم ۲۷/ ابريل / داخل المدرسة مع زملائه إلا أنه اصر على عمل عيد ميلاد ثانى له في منزله وأصر على حضورنا الجد والجدة والعمة والعم مع زوجته وطفليه بمنزله وكأنه كان يودعنا ويستشعر بقرب الأجل, وكذلك قام الشهيد بعمل عيد ميلاد لإبنه فى منزل عائلة زوجته فى الأول من مايو 2017 قبل استشهاده بساعات معدودة, ومع ظهر اليوم تم تكليفه بالتوجه إلى خدمه بالدورية الراكبة, وفي نفس اليوم الذى استشهد فيه الساعة ١١,٤٥ مساءاً الأول من مايو ٢٠١٧ إنقبض قلبى عليه وكنت أتساءل عنه مع والدته وزوجته, حتى علمت بخبر استشهاد إبنى البطل من وسائل التواصل الإجتماعي عند تصفحي للأخبار فوجدت خبر عن هجوم على كمين في الواحات فطلبت إبنى على التليفون, لا بلغه بأخذ الحيطة والحذر, ولكني وجدت تليفونه مغلق وإتصلت عدة مرات وظل التليفون مغلق وشيئا فشيئا كانت تغلق أنوار الحياة فى عينى, ومع الحيرة والقلق والجزع عليه إتصلت بزوجته سارة وسألتها: فى حد إتصل بك قالت أيوه, وقالوا أيمن مصاب, قلت لها: لا أيمن استشهد, قلبى اللى راح معاه قالى" إبنك استشهد" والخبر مغلوط لأنه في طريق الواحة وليس الواحات, وتوجهت مسرعاً إلى مستشفي الشرطة, وطلبت أن أدخل اشوف إبنى, فوجدت ملاكاً نائماً, كما كنت أراه نائما وهو طفل, وشاهدت إصبع يده السبابة على وضع ضرب النار, لأنه كان يطلق النار حتى آخر نفس في حياته, ووجدت في جسد الشهيد أكثر من ٣٠ طلقة مختلفة في أنحاء جسده وكذلك قام الإرهابيون بالضرب على أصبعه وهو يطلق النيران مما أدي إلى بتر في إصبعه وقمت بتقبيل إبنى رغم رهبة الموقف, إلا أنى أخذت أردد أنت بطل يا أيمن أنت بطل يا أيمن, وحينها تذكرته عندما كان طفلا فى سريره نائما وأخشى أن أوقظه بالحديث معه, لكننى الآن أحدثه للمرة الأخيرة, إبنى كان كتب على صفحته الشخصية عام ۲۰۱۳ أثناء الأحداث واستشهاد بعض زملائه: "بدء عصر اغتيالات ضباط الشرطة وبردو ما بنخفش" وفي شهر إبريل ٢٠١٤ كتب على صفحته الشخصية:" يارب إذا حضرتني الوفاة فسخر لي من يلقنى الشهادتين, وأطلق بها لسانى وأختم لي خاتمة حسنة وسهل على سكرات الموت وأدخلنى في عبادك الصالحين" ومن مفارقات القدر أنه قام بكتابة نفس البوست قبل الاستشهاد بساعات قليلة وكانه يري الموت والنهاية, كانت علاقة أيمن بأسرته طيبة جدا لأن ابنى كان يتمتع بحب جميع الجيران والأسرة وأهل المنطقة وكل من عمل معهم لدرجة عند استشهاده قام أهالي حي الجمالية بتعليق صور الشهيد في شارع المعز تعيراً عن حب أهالي الجمالية والحسين للشهيد ومازال له صورة معلقة على محلات في شارع المعز بالجمالية, وحزنت الأسرة حزناً شديداً وخاصة والدته التى تأثرت كثير باستشهاد إبنى وبدأت صحتها في التدهور حتى لاقت ربها بمستشفى الشرطة بالقاهرة يوم
11 ديسمبر 2020 وكان طلبها ان تدفن بجوار إبنها الشهيد رحمة الله عليهما, وقام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية بتكريم اسم ابنى الشهيد بمنحه وسام الجمهورية من الدرحة الثانية نظراً لبطولته, وتم اطلاق اسم ابنى الشهيد على احد الشوارع الرئيسية بمنطقة مصر الجديدة تكريماً له, وتم اطلاق اسم ابنى الشهيد على مسجد بمدينة بدر عرفاناً بما قدمه خلال خدمته بمدنية بدر في حي النرجس تخليداً لذكراه التى لن تروح عن مخيلتى وقلبى حتى أرقد بجواره".
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)