أصدر الفريق أول محمد فوزى، القائد العام للقوات المسلحة المصرية، توجيهاته إلى قيادة الجيش الثالث باحتلال «لسان بورتوفيق»، وتدمير قوات العدو الإسرائيلى فيه، فدارت العجلة لتنفيذ العملية، حسبما يذكر فى مذكراته «حرب الثلاث سنوات 1967- 1970».
وقع التكليف بالتنفيذ على أبطال «الكتيبة 43 صاعقة»، حسبما يذكر أحد أبطالها اللواء معتز الشرقاوى فى حواره على موقع «مجموعة 73 مؤرخين»، وكان وقتها برتبة «ملازم أول»، ويؤكد أنهم تدربوا عليها فى أحضان جبل عتاقة، ثم فى معسكر بالقرب من حلوان، لمدة تزيد على شهر، ويضيف: «قبل التنفيذ تحركنا إلى بورتوفيق على هيئة جماعات صغيرة، وإمعانا فى التمويه أعد قائد الكتيبة الرائد أحمد شوقى بالتعاون مع قوات المظلات أكثر من بدروم بالفيلات المواجهة للقناة، لتكون مكانا لتمركز القوات التى ستنفذ»، ويكشف: «كانت معداتنا تصل إلينا ليلا بسيارات نقل مموهة دون أن تلفت انتباه العدو»، ويؤكد: «ظللنا فى بدروم العمارة يومين وليلة واحدة، لكى لا يتم رصدنا بواسطة العدو أو البوليس الدولى المنتشر على ضفتى قناة السويس».
يتذكر «الشرقاوى»، أنهم وأثناء عملية نفخ القوارب التى ستحملهم فى مياه القنال خرج صوت مرتفع لفت نظر مندوب البوليس الدولى المرابط فى المبنى الذى يقع خلف المبنى الموجودون هم فيه، ما هدد باكتشافهم لو أبلغ هذا المندوب قيادته، ويكشف «الشرقاوى»: «فى هذا الوقت كان علاء الحامولى - لاعب الزمالك فى ستينيات القرن الماضى ومعلق الكرة الشهير - ضابط اتصال بين القوات المصرية وقوات البوليس الدولى، واقترح الرائد أحمد شوقى عليه أن يصعد إليه بزجاجة ويسكى غالية، ويدعوه لشربها فى إحدى الشقق، وبالطبع لم نر هذا المندوب مرة أخرى».
يضيف الشرقاوى: «كانت منطقة النزول إلى المياه محاطة بأسوار من السلك الشبكى لمنع أى شخص من النزول، وعلى مدار أسبوعين قبل التنفيذ استمر جندى فى قطع نقطه فى السلك وتركها بالكاد متماسكة، لكى لا يلاحظ الجانب الإسرائيلى أن السور تم عمل فتحات به، ونزلت القوة للمياه فى أربعة عشر قارب بترتيب معين، وكنا نعبر تحت خط سير القذائف مباشرة، وأثناء عبورنا اعتلت دبابة أحد المصاطب ورصدت قارب الملازم رؤوف أبوسعدة وأطلقت عليه قذيفة، فأصيب بشظية فى وجهه، وأصيب الرقيب عبدالحليم محمد بشظية فى معصم يده، ولاستكمال التنفيذ أخرج الرجال المجاديف وواصلوا العبور تجديفا، وفور وصولنا بدأنا بالعمل بما تدربنا عليه».
أطلق الأبطال النيران على دبابة، فخرج منها جندى إسرائيلى «لتنهمر عليه الطلقات بقوة دفعت جثته بعيدا، ثم خرج جندى آخر حاول النزول على الأرض، وحسب الشرقاوى: «قبل أن يلمس الأرض، احتضنته وحملته على كتفي، وصعدت الساتر الترابى به ثم نزلت مرة أخرى تجاه القارب وألقيت به فى القارب لفرد المهندسين ليحرسه، ثم عدت مرة أخرى إلى رجالى فوق الساتر وبدأنا فى اقتحام الموقع، فقام رؤوف أبو سعدة بتدمير دبابة، ودمر حامد جلفون دبابة، وعبد ربه دمر دبابة، وقمت بتدمير دبابتين».
يؤكد «الشرقاوى»: «سيطرنا تماما على الموقع، مما أعطانا هدوءا نفسيا غريبا، وبدأنا فى التمشية داخله بينما الدخان الأسود يعلو جراء انفجار ملجأ الجنود والدبابات الخمس، وجمعنا ثلاثة أعلام للموقع الاسرائيلي، أحدهم أخذه المساعد حسنى سلامة وكان على صهريج كبير، ووضع مكانه العلم المصرى وأحكم ربطه بالأسلاك، وظل مكانه فترة طويلة، وكلما اقتربت قوة إسرائيلية منه تضربها قواتنا من الناحية الأخرى للقناة، ما جعلهم ينسفون الصهريج بالكامل للتخلص منه، وبعد مرور ما يقرب من ساعة من احتلانا الموقع وتأمينه والسيطرة عليه تلقينا إشارة بالانسحاب وهى: «ستك بتخاف من الجوافة»، وبدأنا العودة فى القوارب، وكان آخر من وصل هو الرقيب عبدالحليم الذى وقع مغشيا عليه، وتبين أنه مصاب منذ بدء العبور واستمر ينزف أثناء التنفيذ والعودة بالتجديف، حتى استشهد وسط رفاقه بعد تنفيذ المهمة، تلا ذلك استشهاد ثلاث جنود آخرين من إصابات أخرى بعد عودتهم».
يضيف الشرقاوى: «كان الليل قد حل، وبدأ الطيران الإسرائيلى بالتدخل لكن طاشت طلقات وصواريخ وقنابل العدو على يمين ويسار الطريق، واستقبلنا رجال الكتيبة بالزغاريد وبالبكاء والفرح ليلة يوم 10يوليو، مثل هذا اليوم، 1969»، ويؤكد، أن الرئيس عبدالناصر منحهم فورا نوط الشجاعة من الطبقة الأولى للضباط وكل الصف والجنود نفس النوط من الطبقة الثانية، وطلبنا للقائه فى منزله، وهناك رحب بنا، قائلا: «أهلا بالأبطال، حمد الله على السلامة»، واحتضن كل منا، ودار حوار هادئ جميل جدا، وكنت أحس أن نظراته تخترق كل منا لتنفذ من الناحية الأخرى، فهذه هى كاريزما الرئيس عبدالناصر كما رأيتها بعينى».
تؤكد الدكتورة إنجى محمد جنيدى فى كتابها «حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل»، أن هذه المعركة أسفرت على «تدمير خمس دبابات وقتل وجرح خمسة وثلاثين فردا، وتدمير أربعة ملاجئ، وأسر جندى إسرائيلى.