كيف كتب خطاب تنحى عبد الناصر؟.. كواليس الساعات الأصعب بعد نكسة 1967

الثلاثاء، 09 يونيو 2026 02:00 م
كيف كتب خطاب تنحى عبد الناصر؟.. كواليس الساعات الأصعب بعد نكسة 1967 الرئيس الراحل جمال عبد الناصر

محمد عبد الرحمن

لم يكن خطاب التاسع من يونيو 1967 مجرد كلمة ألقاها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد الهزيمة، بل كان واحدًا من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، ففي أعقاب نكسة يونيو، وجد الرئيس الراحل نفسه أمام قرار مصيري بإعلان تنحيه عن السلطة، في خطاب كتبه الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، وكشف لاحقًا في مذكراته عن الكواليس الإنسانية والسياسية التي صاحبت صياغة البيان، والجدل الذي دار حوله، وردود فعل المقربين من عبد الناصر قبل إذاعته للشعب المصري.

"لقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعًا أن تساعدوني عليه، لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر".. بهذه الكلمات أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في 9 يونيو 1967، تحمله مسئولية الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها مصر في حرب يونيو، في الخطاب الذي عُرف تاريخيًا باسم "خطاب التنحي".

وبحسب ما رواه الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في كتابه "الانفجار 1967"، فإن الساعات التي سبقت إذاعة الخطاب شهدت أحداثًا استثنائية، وصفها بأنها من أقسى اللحظات التي عاشها طوال حياته.

 

تكليف هيكل بكتابة الخطاب

يروي هيكل أن عبد الناصر استدعاه مساء 8 يونيو 1967، وأبلغه بقراره التنحي عن السلطة، طالبًا منه صياغة البيان الذي سيخاطب به الشعب المصري.

ويقول هيكل إنه قضى ساعات الليل في كتابة النص، ثم توجه إلى منزل الرئيس في الصباح الباكر، ليجده يتابع عبر الهاتف مع المشير عبد الحكيم عامر تطورات أوضاع القوات المصرية على الجبهة.

 

خلاف حول اسم خليفة عبد الناصر

ويكشف هيكل أن عبد الناصر كان قد استقر في البداية على إسناد مسئولية رئاسة الجمهورية إلى شمس بدران، وزير الحربية الأسبق، إلا أن هيكل اعترض على الاختيار، معتبرًا أن بدران أصبح أحد الوجوه المرتبطة بالهزيمة ولا يحظى بثقة الشارع المصري.

وعندما سأل عبد الناصر عن البديل المناسب، اقترح هيكل اسم زكريا محيي الدين باعتباره أقدم أعضاء مجلس قيادة الثورة وأكثرهم قبولًا، وهو ما وافق عليه الرئيس في النهاية.

 

تعديل عبارة واحدة في الخطاب

ويشير هيكل إلى أن التعديل الوحيد الذي أدخله عبد الناصر على نص البيان كان متعلقًا بجملة: "فإنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسئولية"، حيث رفض الرئيس هذه الصياغة، مؤكدًا أن المسئولية تقع عليه كاملة وليست "نصيبًا" منها، ليتم تعديل العبارة وفقًا لرغبته.

 

انهيار سامي شرف وبكاء كاتب الخطاب

بعد الانتهاء من الصياغة، توجه هيكل إلى سامي شرف، سكرتير الرئيس للمعلومات، لإعادة كتابة الخطاب على الآلة الكاتبة. وبمجرد اطلاعه على نص التنحي، دخل سامي شرف في حالة انفعال شديدة، وظل يردد: "هذا مستحيل.. إنها مصيبة لا تقل عن المصيبة العسكرية".

كما يروي هيكل أن الموظف المكلف بكتابة الخطاب، عبد الرحمن سالم، لم يتمالك نفسه وانهمرت دموعه أثناء نسخ البيان، رافضًا في البداية الاستمرار في كتابته، قبل أن يتم استكمال المهمة.

 

هيكل يرفض حضور إذاعة البيان

وعرض عبد الناصر على هيكل مرافقته إلى قصر القبة أثناء إلقاء الخطاب، إلا أن هيكل اعتذر، قائلاً: إنه لا يستطيع تحمل مشاهدة تلك اللحظة بنفسه.

 

زكريا محيي الدين يفاجأ بالقرار

ويكشف هيكل أن زكريا محيي الدين نفسه لم يكن يتوقع تكليفه بالرئاسة، وعندما اتصل به كانت أول كلماته: "ما الذي فعلناه به؟ وهل هذا معقول؟"، خاصة بعدما بدأت المظاهرات تهتف ضد قبوله المنصب وتطالبه بعدم قبول التكليف.

 

مظاهرات تطالب ببقاء عبد الناصر

فور إذاعة خطاب التنحي، خرجت مظاهرات حاشدة في القاهرة وعدد من المحافظات مطالبة ببقاء عبد الناصر في السلطة، كما تلقى الرئيس اتصالات من عدد من الزعماء العرب، بينهم الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف الذي ناشده الاستمرار.

كما أصدر مجلس الأمة بيانًا يطالب عبد الناصر بالعدول عن قراره، بينما أعرب الرئيس الفرنسي شارل ديجول عن أمله في استجابة عبد الناصر لمطالب شعبه.

وبعد يوم واحد فقط من خطاب التنحي، استجاب عبد الناصر للضغوط الشعبية، وأعلن استمراره في تحمل مسئولية قيادة البلاد، ليبقى رئيسًا لمصر حتى وفاته في سبتمبر 1970.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة