عادت رواية "أولاد حارتنا" للأديب العالمي نجيب محفوظ إلى دائرة الجدل الثقافي، بعد تدوينة للكاتب الصحفي شريف الشوباشي روى فيها شهادة منسوبة إلى الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، تتعلق بكواليس نشر الرواية في جريدة "الأهرام" عام 1959، وما قيل عن توقف نشرها تحت ضغط سياسي، غير أن هذه الرواية الشفوية فتحت الباب من جديد أمام سؤال قديم، ماذا حدث بالفعل في أزمة "أولاد حارتنا"؟
القصة المؤكدة تبدأ في 21 سبتمبر 1959، حين بدأت جريدة "الأهرام" نشر رواية "أولاد حارتنا" مسلسلة على حلقات، كانت الرواية أول عمل روائي يعود به نجيب محفوظ بعد توقف عن الكتابة استمر عدة سنوات عقب ثورة يوليو 1952، وجاءت مختلفة عن أعماله الواقعية السابقة، إذ اتجه فيها إلى الرمز، والتأمل الفلسفي، وبناء عالم سردي يقرأ تاريخ الإنسان والسلطة والمعرفة والعدل من داخل حارة مصرية.
بحسب شهادة نجيب محفوظ التي سجلها الناقد رجاء النقاش في كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، لم تكن الأزمة في بدايتها صادرة عن قراءة أدبية هادئة، بل بدأت بعد خبر نشر في الصفحة الأدبية بجريدة "الجمهورية"، أشار إلى أن الرواية تتضمن تعريضًا بالأنبياء، بعد ذلك توالت العرائض والشكاوى إلى النيابة العامة، ومشيخة الأزهر، ورئاسة الجمهورية، مطالبة بوقف نشر الرواية ومحاسبة صاحبها.
وقد رأى المعترضون أن شخصيات الرواية تحمل إحالات رمزية إلى آدم وموسى وعيسى ومحمد، عليهم السلام، وأن شخصية "الجبلاوي" تمثل تصورًا رمزيًا للذات الإلهية، أما نجيب محفوظ فكان يرى أن حصر الرواية في هذا التفسير الديني الضيق ظلم للعمل، وأنها رواية رمزية تحتمل أكثر من قراءة، وتتناول صراع الإنسان مع القوة والعدل والمعرفة، لا إعادة سرد مباشر للقصص الديني.
هنا ظهر دور محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير "الأهرام" وقتها، وبحسب ما أورده الكاتب الصحفي محمد شعير في كتابه "أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة"، فإن هيكل قرأ الرواية وقرر نشرها يوميًا لا أسبوعيًا، إدراكًا لحساسيتها، ورغبة في أن تكتمل قبل أن تتحول الاعتراضات إلى قرار بوقفها، ووفق هذه الرواية، بدأت الشكاوى تتصاعد بعد الحلقة السابعة عشرة، ووصل الأمر إلى الرئيس جمال عبد الناصر، الذي سأل هيكل عن حقيقة ما يحدث.
وتنقل المصادر المنسوبة إلى هيكل أن موقفه كان واضحًا "رواية كتبها نجيب محفوظ لا بد من نشرها حتى آخر كلمة"، كما تنقل شهادة محفوظ نفسها أن هيكل دافع عن الرواية، وأنه لولا هذا الدفاع لتوقف نشرها في "الأهرام" فورًا، ومن هنا تصبح النقطة الأساسية في القصة أن الرواية لم تتوقف أثناء نشرها مسلسلة في "الأهرام"، بل اكتمل نشرها رغم الأزمة والاعتراضات.
الجدل الأخير بدأ بعدما كتب شريف الشوباشي أنه سمع من هيكل، خلال لقاء في باريس في منتصف التسعينيات، أن المشير عبد الحكيم عامر اعترض على نشر الرواية، وهدد بإرسال دبابات إلى مبنى "الأهرام" إذا لم يتوقف نشرها، هذه الشهادة أحدثت ارتباكًا لأنها تخالف ما استقر في المصادر المتداولة عن أن الرواية نشرت كاملة في "الأهرام".
ورد الكاتب الصحفي محمد شعير، صاحب كتاب "أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة"، مؤكدًا أن رواية توقف النشر بسبب تهديد عبد الحكيم عامر غير صحيحة، وأن "الأهرام" نشرت الرواية كاملة كما سلمها نجيب محفوظ، دون حذف، كما أشار إلى أن عبد الحكيم عامر ارتبط اسمه بأزمة أخرى تخص نجيب محفوظ، هي أزمة رواية "ثرثرة فوق النيل"، لا أزمة "أولاد حارتنا". وبعد ذلك نشر شريف الشوباشي اعتذارًا، موضحًا أنه تأكد من أن الرواية نُشرت كاملة في "الأهرام" عام 1959، وأن ما تداوله يحتاج إلى مراجعة دقيقة.
لكن اكتمال نشر الرواية في "الأهرام" لم ينه الأزمة، فبعد نشرها مسلسلة، ظلت "أولاد حارتنا" غير متاحة في طبعة كتابية داخل مصر لسنوات طويلة، وصدرت في كتاب خارج مصر عن دار الآداب في بيروت، وظلت نسخها تدخل إلى مصر وتنتقل بين القراء بوصفها عملًا محاطًا بالمنع والجدل والسرية. وبذلك يجب التفرقة بين أمرين: الرواية لم تُمنع من الاكتمال في "الأهرام"، لكنها لم تصدر في مصر ككتاب رسمي لفترة طويلة.
وفي يناير 2007، بعد وفاة نجيب محفوظ، صدرت الرواية في مصر عن دار الشروق، مصحوبة بمقدمة للدكتور أحمد كمال أبو المجد، وقد ارتبط هذا الإصدار أيضًا بجدل ثقافي، لأن محفوظ كان قد اشترط، بحسب ما تداولته الصحافة، وجود مقدمة توضح وجهة النظر الإسلامية المعتدلة في قراءة الرواية، حتى لا يعاد توظيفها في التحريض أو سوء الفهم.