هبة مصطفى تكتب: لغة السماء

الجمعة، 05 يونيو 2026 04:03 م
هبة مصطفى تكتب: لغة السماء هبة مصطفى

أحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا، فالمحبة ليست شعارا يرفع، بل سلوكا يمارس، وقيمة تترجم إلى أفعال. كم من كلمة صنعت أملا، وكم من موقف أعاد إنسانا إلى الحياة، وكم من رسالة محبة كانت أعظم من كنوز الأرض كلها، لأنها تحمل في طياتها معنى الإنسانية الصادقة، ورسالة أعمق من قيمتها المادية.


عزيزي القارئ، رسائل المحبة لا تأتي فقط من الأهل والأصدقاء، ولا تقتصر على هدية أو عيدية أو مناسبة سعيدة، بل قد تكون كلمة حانية من أب إلى أبنائه، ونظرة امتنان منهم ترد إليه بعضا من جميل عطائه، أو ثمرة كفاح يراها في نجاحهم واستقامتهم. وقد تتجسد في تضحية أم لا تنتظر مقابلا، وفي احتضانها لأبنائها في أوقات الضعف قبل القوة، وفي دعوة صادقة تخرج من قلبها فتمنحهم الطمأنينة والأمل.


وتظهر أيضا في احتواء زوج لزوجته ومساندتها في مواجهة أعباء الحياة، وفي كلمة شكر من الزوجة إلى شريك عمرها ومصدر أمانها وسعادتها. فالمحبة الحقيقية ليست كلمات تقال، بل مواقف تعاش وتترجم إلى أفعال.
وهناك صور أخرى للمحبة تبني وترفع مجتمعا بأسره، حين يبعث مسؤول رسالة إلى مرؤوسيه يطمئنهم فيها أن حقوقهم محفوظة، وأن العدل أساس التعامل بينهم، وأن جهودهم محل تقدير واحترام. كما نجدها في كلمة تقدير صادقة من المرؤوس لرئيسه عندما يرى فيه القدوة والإنصاف وحفظ الحقوق.


فالمحبة لا تقف عند حدود الأسرة أو العمل، بل تمتد إلى المجتمع كله، فقد تكون في يد تمتد لمساعدة محتاج، أو في كلمة مواساة لمكلوم، أو في ابتسامة صادقة تزرع الأمل في قلب أوشك أن يستسلم لليأس.
عزيزي القارئ، إننا في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه الضغوط، فأصبحنا أكثر احتياجا إلى رسائل المحبة بكل صورها. فالاحترام محبة، والتقدير محبة، والعطاء محبة، والإنصات الجيد للآخرين رسالة محبة لا تقل أثرا عن أثمن الهدايا.وأعظم رسائل المحبة تلك التي تمنح دون انتظار مقابل، وتقدم بإخلاص وصدق، فالمحبة ليست رفاهية في حياة الإنسان، بل ضرورة لترميم النفوس وبنائها، وتضميد الجراح، وصناعة مجتمع رحيم يسعى أفراده إلى غرس الأثر الطيب في كل ركن من أركانه.


وما أجمل أن نكون أصحاب الأثر الطيب في حياة الآخرين، فربما كلمة منا تكون سببا في إسعاد قلب، أو إنقاذ روح، أو إعادة الأمل إلى نفس جفت فيها ينابيع الحياة، لا فضلا ولا تفضيلا، بل استجابة لنداء الخالق عز وجل في قوله تعالي "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم”.


وتذكر عزيزي الإنسان أننا اليوم نعيش عصرا غلبت فيه التكنولوجيا على الروح، وأصبحت العلاقات الإنسانية تقاس بالأرقام وحجم المكاسب، وكأن الإنسان تحول إلى آلة حاسبة تبحث عن الناتج الذي يشبع رغباته المتزايدة. فتراجعت المشاعر الصادقة أمام لغة المصالح، وحلت الحسابات الباردة محل دفء القلوب.ورغم ما وفرته التكنولوجيا من وسائل للتواصل، فإنها لم تستطع أن تمنح الإنسان دفء المشاعر الحقيقية أو تعوضه عن الصحبة الصادقة. لذلك أصبح كثيرون يعيشون في عالم افتراضي مع شاشات التكنولوجية ووحدة المشاعر، يبحثون عن كلمة صادقة أو قلب يحتويهم وسط عالم تتسارع فيه الخطى وتقل فيه لحظات التواصل الإنساني الحقيقي.


عزيزي القارئ، لا يمكن للإنسان أن يعيش لنفسه فقط، فالسعادة الحقيقية تنمو حين نتقاسمها، وحيث توجد المحبة توجد الحياة. وكما قال جبران خليل جبران: “المحبة لا تعطي إلا ذاتها، ولا تأخذ إلا من ذاتها”، وقال الإمام الشافعي: “الناس بالناس ما دام الوفاء بهم، والعسر واليسر ساعات وأزمان”، فأشرف القلوب قلب يتسع للناس جميعا.وقد تغنى الشعراء بالمحبة لأنها لغة السماء إلى الأرض، فإذا أحببت زاد غناك، وكن جميلا تر الوجوه جميلا.


عزيزي الإنسان، لا حاجة بنا إلى المزيد من الصراعات بقدر حاجتنا إلى المزيد من الرحمة، ولسنا بحاجة إلى أن نربح كل المعارك، بل أن نكسب قلوب الناس. فالكلمة الطيبة رسالة، والابتسامة رسالة، والعطاء محبة، والإخلاص للوطن محبة، والوفاء للأصدقاء محبة، وحتى التسامح مع من أساء إلينا صورة راقية من صور المحبة.


عزيزي القارئ، آمن أن المحبة ليست رفاهية أخلاقية، بل ضرورة للحياة، فكلما زادت المحبة بين الناس تراجعت الأنانية وانحسرت الكراهية. وكعهدكم بي كعاشقة للوطن، ولا عيب ولا مزايدة في ذلك، فالمحبة هي أيضا محبة وطن يسعى بكل ما يملك إلى توفير الأمن والاستقرار وفرص الحياة الكريمة لأبنائه رغم التحديات، ولا يطلب إلا الانتماء الصادق الذي يعد لغة متبادلة بين الإنسان ووطنه.والمحافظة على الوطن ليست واجبا وطنيا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الصدق في العمل، والإخلاص في الأداء، واحترام القانون، والحرص على أن يكون الإنسان لبنة بناء لا معول هدم. فالأوطان لا تنهض بالشعارات وحدها، وإنما بسواعد أبنائها وإرادتهم الصادقة في البناء والتطوير والتطهير من كل ما يعوق مسيرة التقدم.


ولعل ما تؤكد عليه القيادة السياسية دائما أن حماية الوطن والحفاظ على مقدراته مسؤولية مشتركة، وأن مواجهة التحديات تتطلب وعيا وتكاتفا وإعلاء للمصلحة العامة فوق كل اعتبار. فبناء الأوطان لا يتحقق إلا بالعمل الجاد والإخلاص، وبقدرة أبنائها على تجاوز التحديات والتوحد من أجل مستقبل أفضل.


ويبقى السؤال: ماذا سنترك خلفنا عندما نغادر هذه الحياة؟
لن تكون الأموال ولا المناصب، بل الأثر الطيب الذي صنعناه في قلوب الآخرين، وما قدمناه لوطننا وأهلنا من خير وعطاء. فحيث توجد المحبة توجد الحياة، وحيث يسكن الإخلاص تزهر الأوطان، وحيث تتلاقى القلوب على الخير تتجدد القدرة على البناء والعطاء.


فلنجعل من المحبة منهجا، ومن الرحمة سلوكا، ومن الانتماء رسالة، حتى نترك للأجيال القادمة إرثا من الخير والإنسانية والوطنية الصادقة.
فإذا كانت المحبة لغة السماء إلى الأرض، فلنحرص أن تكون لغتنا إلى الناس رحمة، وإلى الوطن وفاء، وإلى الحياة أثرا طيبا لا يرحل برحيلنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة