شهدت أوروبا خلال مايو الماضي موجة حر مبكرة غير مسبوقة، حطمت أرقامًا قياسية لدرجات الحرارة في عدة دول، وأسفرت عن مئات الوفيات معظمهم من كبار السن والفئات الأكثر هشاشة. وفي استجابة سريعة، لجأت الحكومات الأوروبية إلى إجراءات استثنائية شملت حظر العمل تحت أشعة الشمس في ساعات الذروة، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر، بينما استعد الاتحاد الأوروبي لصيف قاسٍ بتجنيد أسطول جوي ضخم ونشر 777 رجل إطفاء في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
حصيلة الوفيات.. أرقام صادمة
كشفت وزارة الصحة الإسبانية أن شهر مايو سجل 101 حالة وفاة بسبب الحرارة، وهو أعلى رقم لهذا الشهر منذ بدء جمع الإحصاءات في 2015، ويمثل زيادة بمقدار 3.6 أضعاف عن متوسط العقد الماضي. وفي البرتغال، قدرت منظمة الصحة العالمية الوفيات المرتبطة بالحراج بأكثر من 1,700 شخص في شبه الجزيرة الإيبيرية وحدها، محذرة من أن الرقم "مرشح للارتفاع".
أما في فرنسا، فأعلنت الحكومة عن 7 وفيات على الأقل، من بينها 5 حالات غرق في مسطحات مائية غير مراقبة حيث هرع الناس للتبريد . وفي بريطانيا، قضى 4 مراهقين غرقًا في بحيرات ومستودعات مائية، بينما سجلت السلطات 5 وفيات مرتبطة بالمياه خلال أيام الحر.
وإلى جانب الوفيات المباشرة، سُجلت عشرات الإصابات والإغماءات؛ ففي إقليم الباسك الإسباني، تلقى 30 شخصًا العلاج من أمراض مرتبطة بالحر خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ما أسباب هذه الكارثة؟
يعزو خبراء الأرصاد الموجة الحارة إلى ظاهرة "قبة حرارية" (Heat Dome)، حيث حوصرت كتلة هواء ساخن قادمة من شمال إفريقيا تحت نظام ضغط مرتفع فوق غرب أوروبا. وقد سجلت إسبانيا 16 يومًا حارًا في مايو مقابل صفر أيام باردة، وهو مؤشر وصفته AEMET بأنه "دليل على تغير المناخ".
وكانت حرارة البحر أيضًا علامة تحذيرية: فبحر البليار قبالة الساحل الشرقي لإسبانيا سجل 24 درجة مئوية، وهي "قيمة غير مسبوقة في مايو، وكأنها من يوليو".
الإجراءات الأوروبية.. استجابة طارئة واستعداد لصيف قاسٍ
على المستوى الوطني، سارعت الحكومات إلى إجراءات وقائية. ففي إيطاليا، حظرت منطقة لاتسيو (حول روما) العمل في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس المباشرة بين الساعة 12:30 ظهرًا و4:00 عصرًا حتى 15 سبتمبر.
وفي فرنسا، وضعت 8 إدارات غربية تحت الإنذار البرتقالي لأول مرة في مايو منذ إنشاء نظام الإنذار الحراري عام 2004، مع التفكير في إغلاق المدارس مؤقتًا وإلغاء الفعاليات الرياضية . كما حثت السلطات على عدم السباحة في المسطحات المائية غير المراقبة.
أما على المستوى الأوروبي، فقد كشف الاتحاد عن أكبر عملية استعداد لحرائق الصيف في تاريخه:
1 - أسطول جوي ضخم: 22 طائرة إطفاء و5 مروحيات من أسطول rescEU المتمركزة في 12 دولة.
2- نشر بشري غير مسبوق: 777 رجل إطفاء من 14 دولة أوروبية سيتمركزون استباقيًا في 6 مواقع عالية الخطورة، بينها إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص.
3- كما تم نشر فريق دعم متخصص من 22 خبيرًا في الحرائق سيعززون مركز تنسيق الطوارئ من يونيو إلى سبتمبر.
بالإضافة إلى أنظمة مراقبة، حيث استخدام النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات (EFFIS) وخرائط الأقمار الصناعية من برنامج كوبرنيكوس.
تحذيرات الخبراء.. صيف 2026 سيكون الأقسى
يتوقع خبراء الأرصاد أن يكون صيف 2026 أكثر حدة. فقد حذرت هيئة الأرصاد البريطانية (Met Office) من أن المملكة قد تشهد صيفًا أكثر حرارة من المتوسط، مع احتمالية مضاعفة لموجات الحر. وقالت هيئة الأرصاد الفرنسية إن "قبة حرارية" تهدد أوروبا، مع توقعات بوصول الحرارة في جنوب فرنسا إلى 41 درجة مئوية.
وفي تقرير أعدته "ذا ويذر تشانل" الألمانية، حذر الخبراء من أن "موجة الحر تمتد" وأن "درجات الحرارة ستتجاوز 40 درجة مئوية في منطقة واسعة من إسبانيا والبرتغال، وصولاً إلى 45 درجة في بعض المناطق".
بين حصيلة دامية من الوفيات في مايو، وإجراءات استباقية غير مسبوقة، تبدو أوروبا وقد دخلت مرحلة جديدة من التكيف مع "الواقع المناخي الجديد". فرغم أنظمة الإنذار والتنسيق الأوروبي، يبقى السؤال الأكبر: هل ستكون هذه الإجراءات كافية لإنقاذ الأرواح عندما تضرب القبة الحرارية بقوة أكبر في يوليو وأغسطس؟.