كثيرة هي التواريخ التي تمر على الأمم، لكن ثورة الثلاثين من يونيو لم تكن يومًا مجرد تاريخ في أجندة الزمن، بل كانت معجزة بعث جديدة لوطن كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبصفتي نائبة عن هذا الشعب العظيم، وشاهدة عيان على أدق كواليس تلك المرحلة، أجد نفسي اليوم مدفوعة برغبة جارفة لأخذكم معي إلى حيث تُصنع الأقدار، إلى داخل عقل وقلب القائد الذي غيّر مجرى التاريخ، الرئيس عبد الفتاح السيسي.
لو كان لي أن أصف تلك الأيام الصعبة، لقلت إنني كنت أرى بعيني كيف كان يفكر هذا الرجل. ودعوني، خلال السطور القادمة، نتخيل معًا كيف كانت تدور الأحداث.
في تلك الساعات الحرجة التي سبقت الثورة، أتخيل نفسي واقفة هناك، في جنبات الغرفة الصامتة التي كانت تُتخذ فيها القرارات المصيرية. كانت الأجواء مشحونة بمهابة الموقف، وكان الهدوء في المكتب يحمل في طياته عاصفة كبرى. تخيلته يتكئ بظهره إلى الوراء لثوانٍ، يحتسي فنجان قهوته ببطء شديد وهدوء غريب، بينما كانت عيناه الشاردتان نحو النافذة تحكيان قصة صراع هائل يدور في أعماقه. كان يرتشف القهوة، لا طلبًا للراحة، بل كأنه يستجمع بها أنفاس وطن كامل يتأرجح على حافة الهاوية.
في تلك اللحظة المهيبة، كنت أقرأ ما يدور في رأسه خلف تلك الملامح الصارمة؛ كان يفكر في ملايين الأسر التي وثقت به، وفي الأطفال والنساء والشباب الذين ملأوا الميادين، واعتصموا بجيشهم. كانت هتافاتهم تخترق جدران الغرفة الصامتة لتستقر في قلبه. وكان يعلم تمامًا حجم المخاطر العامة والشخصية، ويعلم أن اتخاذ قرار الانحياز للشعب يعني مواجهة قوى دولية ومحلية غاشمة، ويعني أنه يضع روحه، وحياته، وحياة أسرته الصغيرة، وبالطبع أسرته الكبيرة، على المحك.
لكنه، مع آخر رشفة من فنجانه، وضع الفنجان جانبًا، وتنحّى عن كل الحسابات الإنسانية والسياسية. لقد حمل كفنه على يده، وتسلح بشجاعة الفرسان وإيمان الأنبياء بقدسية تراب مصر، وقرر، بوعي القائد التاريخي، أن يلقي بنفسه وبالمؤسسة العسكرية في قلب النار لإنقاذ الأمة، متمتمًا بلسان حاله: "مصر لن تسقط، والشعب لا يمكن أن يُرهب في بلده."
وعندما دقت ساعة الصفر، تجسد هذا الفكر الاستراتيجي العبقري في قرار الانحياز المطلق للشعب وإصدار البيان التاريخي. ولم يكن لهذا القرار أن ينجح ويثمر لولا التلاحم الأسطوري لرجال القوات المسلحة البواسل، حماة هذا الوطن، الذين كانوا على قلب رجل واحد مع قائدهم، وإلى جانبهم رجال الشرطة الأبطال الذين خاضوا معارك شرسة ضد الإرهاب الأسود بكل يقظة واحترافية، وبذلوا الغالي والنفيس ليعيدوا الطمأنينة إلى الشوارع والبيوت.
فكانت دماء شهدائنا الأبرار من أبطال القوات المسلحة والشرطة البواسل هي الثمن الغالي الذي دُفع لتحرير هذا الوطن.
إن فقدان عائلات الشهداء لأبنائهم هو جرح غائر ووجع قلب لا يداويه الزمن، لكن العزاء الوحيد الذي يصبر قلوبهم ويثلج صدورهم هو أن أبناءهم الأبطال كانوا مهر الحرية الذي حرر مصر من براثن الضياع.
لم تكن مجرد تضحية، بل كانت النور الذي أضاء ظلمات الوطن، والوقود الذي سُطر به البقاء. فلترفع عائلاتهم رؤوسها عنان السماء فخرًا وعزًا بأبطال وهبوا أرواحهم لتسترد مصر كرامتها وهيبتها، وتبقى رايتها عالية خفاقة في وطن آمن ومستقر.
إن أعظم ما في هذه الرواية التاريخية أن النصف الثاني من المعجزة صنعه المواطن المصري البسيط. فهذا الشعب العظيم، الذي تحركت القيادة لإنقاذه، أثبت أنه على قدر المسؤولية، فتحمل تبعات القرارات الاقتصادية الصعبة طوال السنوات الماضية بمنتهى الوعي والرضا والصلب، إدراكًا منه أن بناء الجمهورية الجديدة يتطلب جهدًا وعرقًا، ووفاءً لدماء الشهداء.
واليوم، ونحن نحتفل بذكرى الثورة، أقف كنائبة عنكم لأقول بكل ثقة: إن مصر حُفظت بعناية إلهية، ثم بوعي شعبها، وبشجاعة زعيم تاريخي استثنائي فكر بقلبه وعقله في مصلحة وطنه أولًا، فكتب اسمه بحروف من ذهب في سجلات الخلود.