تحل اليوم الذكرى الثالثة عشر لثورة 30 يونيو المجيدة، والتي لم تكن مجرد ثورة أسقطت حكم جماعة الإخوان الإرهابية، وإنما هى ثورة أعادت رسم مستقبل الوطن، فثورة 30 يونيو لم تكن مجرد احتجاج على سلطة، وإنما كانت دفاعاً عن فكرة الدولة المصرية ذاتها، في لحظة كان الوطن يواجه فيها تحدياً وجودياً يتعلق بهويته ومستقبل مؤسساته.
قبل ثلاثة عشر عاماً، خرج ملايين المصريين إلى الميادين، ولم يكن مطلبهم تحسين الخدمات أو تغيير السياسات الاقتصادية، بل كان المطلب الأكبر هو إنقاذ الدولة الوطنية من حالة استقطاب غير مسبوقة، والحفاظ على مؤسساتها، واستعادة القرار الوطني من هيمنة أي تنظيم أو جماعة، وقد أثبتت الأيام أن تلك اللحظة لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، وإنما نقطة تحول غيرت مسار مصر لعقود مقبلة.
لم يكن الطريق بعد 30 يونيو مفروشا بالورود، فقد واجهت الدولة حرباً شرسة ضد الإرهاب، وتحديات اقتصادية قاسية، وأزمات عالمية متلاحقة بدأت بجائحة كورونا، ثم اضطرابات سلاسل الإمداد، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى التوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على اقتصادات المنطقة، ومع ذلك، حافظت الدولة المصرية على تماسكها، واستمرت في تنفيذ مشروعاتها التنموية، وهو ما لم يكن ليتحقق لولا استعادة الاستقرار والأمن والإرادة المصرية الصلبة لإعادة مصر إلى مكانتها الطبيعية كدولة كبيرة ذات ثقل دولي وإقليمي.
ولا يمكن الحديث عن 30 يونيو دون الإشارة إلى معركة مكافحة الإرهاب، التي خاضتها القوات المسلحة والشرطة المصرية بكل شجاعة، وقدمت خلالها تضحيات كبيرة من أجل استعادة الأمن والاستقرار، وهى المعركة التي كانت وقود انطلاق جهود التنمية والبناء.
وربما كان الإنجاز الأهم خلال السنوات الثلاثة عشرة الماضية هو الانتقال من مرحلة إنقاذ الدولة إلى مرحلة إعادة بنائها، فلم تعد الدولة منشغلة فقط بمواجهة المخاطر، وإنما اتجهت إلى بناء بنية تحتية حديثة، ومدن عمرانية جديدة، وشبكات طرق وموانئ، وتطوير قطاع الطاقة، وإطلاق مبادرات اجتماعية وتنموية كبرى استهدفت تحسين جودة حياة المواطنين، وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية "حياة كريمة"، التي أعادت رسم خريطة التنمية في الريف المصري، إلى جانب السعي لتهيئة مناخ الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال.
تمر ثلاثة عشر عاماً على ثورة 30 يونيو، ولا تزال هذه اللحظة الفارقة تحتفظ بمكانتها كأحد أهم المنعطفات في التاريخ المصري الحديث، فكانت تعبيراً واضحاً عن إرادة شعب اختار أن يصحح مساره، ويحافظ على هوية دولته الوطنية، ويمنع انزلاقها إلى الفوضى والانقسام.
لقد أثبتت التجربة المصرية أن الحفاظ على الدولة كان الشرط الأول لأي تنمية، فلا استثمار بلا استقرار، ولا اقتصاد قوي في ظل الفوضى، ولا تنمية مستدامة دون مؤسسات وطنية قادرة على تنفيذ خططها، وهذه هى الرسالة الأهم التي قدمتها 30 يونيو.
ولم تعد ثورة 30 يونيو مجرد ذكرى وطنية نحتفل بها، بل أصبحت محطة للتقييم والمراجعة، فهى نموذج قوي للتكاتف والاصطفاف الوطني خلف الدولة للحفاظ على هويتها واستقرارها وحمايتها من الاختطاف من قبل تنظيم إرهابي وجماعة ظلامية لا تعرف للأوطان معنى ولا تدرك قيمة الوطن، وتظل 30 يونيو مرجعية نقيس عليها المسار الصحيح لبناء الوطن، فما تحقق يدعو إلى الفخر، وما تبقى يدعو إلى مواصلة العمل، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة، والعمل، والإصلاح المستمر، والانحياز الدائم لمصلحة المواطن.
ولعل القيمة الحقيقية لثورة 30 يونيو أنها أعادت للمصريين ثقتهم في أن الدولة مهما اشتدت عليها الأزمات، قادرة على النهوض من جديد إذا توحدت الإرادة الوطنية، وهذا هو الدرس الذي سيظل حاضراً بعد ثلاثة عشر عامًا، وهو أن حماية الدولة كانت البداية، أما بناء المستقبل، فما زال مسؤولية مستمرة لا تتوقف عند ذكرى، ولا تنتهي بإنجاز.
فرغم الأزمات والتحديات الاقتصادية والسياسية الصعبة، واصلت الدولة المصرية تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي، مع السعي إلى تعزيز الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص، وتوطين الصناعة، وزيادة الصادرات، باعتبارها ركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، ولا زالت الدولة تعمل وتخطط للمستقبل، فالجمهورية الجديدة تحتاج إلى مواصلة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإداري، وتوسيع دور القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار وتهيئة مناخ جاذب وبيئة سليمة للاستثمار وتوطين الصناعة وتعزيز الإنتاج المحلي وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري، وتحقيق مزيد من العدالة والحماية الاجتماعية، بما يضمن أن يشعر المواطن بثمار التنمية في حياته اليومية، وتبقى المسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع للحفاظ على ما تحقق، والبناء عليه حتى تظل مصر قوية مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار.
إن ثورة 30 يونيو ستظل علامة فارقة وخالدة في وجدان الشعب المصري العظيم، ونقطة مضيئه في السجل الوطني ونقطة تحول في تاريخ الدولة المصرية.. وإذ تحتفل مصر بذكرى ثورة 30 يونيو والتي تحل علينا في فترة تحمل معها آمالا وتحديات تواجهها الدولة المصرية، وإن كانت التحديات صعبة وجسيمة فإن الآمال أكبر في أن نتجاوزها وأن تواصل مصر مسيرة البناء والتنمية وتحقيق طموحات وتطلعات الشعب المصري.