ليس هناك ما يدل على الارتباك العام الذي أصاب قواعد الدولة المصرية من الأجواء التي سبقت ثورة يناير وما بعدها أكثر من استعراض منجزات وأسماء وظروف تولي وزراء الثقافة في هذه الفترة من تاريخ الوطن.
هي وزارة تبدو للمواطن العادي كيان ترفيهي (بعضهم يرى أنها بلا ضرورة أصلاً) تشرف على سينما ومسرح وراقصين ودور سيرك وملاهي!! وأن أي ميزانيه تصرف على هذه الأنشطة (خاصة في أوقات الأزمات )هي بمثابة إهدار للمال العام.. وهو الأمر الذي اعتقد شخصياً أن كثيرا من المسئولين يعتقدونه حتى الآن فهم لا يتذكرون الثقافة إلا عندما يطلب منهم إقامة حفلة لإحياء مناسبة (وطنية) أو لإبهار ضيف أجنبي أو لممارسة رقابة على أعمال فنية والعمل على دخول كل المبدعين إلى (حظيرة المسئولية).
- وهو التعبير الذي ابتكره الفنان فاروق حسني والذي ظل للأسف هو وسيلة أي وزير للبقاء أطول مدة على كرسي الوزارة.!!
ومن الغريب أن هذا الشعور المتدني سيطر على كثير ممن تولوا هذا المنصب وأعرف كثير منهم كانوا يفخرون بأنهم اعادوا أجزاء من ميزانية الوزارة (بالغة الضآلة) إلى خزانة الدولة وهي الميزانية التي يعرف الجميع أن 75% منها يصرف كأجور لموظفين امتلأت بهم أروقة الوزارة ولا يعطي للنشاط الثقافي أو الإبداعي أو تجديد البنية التحتية للمراكز الثقافية التي كلفت الدولة الملايين إلا النذر اليسير!!
وفي ظروف (النهج) الثوري عقب ثورة يناير قفز-بكل فطنه وذكاء – الفنان فاروق حسني من المركب الغارقة وتقدم باستقالته مبتعداً عن أجواء كان يعرف أنها غير قابلة للاحتواء هذه المرة رغم أن الرئيس مبارك كان ما يزال على كرسي السلطة يحاول الإفلات من براث الطوفان القادم.
ولم يمضي وقت طويل بعد الثورة حتى تم البحث في دهاليز الوزارة عمن يصلح لتولى مهمة الوزارة (المزعجة وغير الضرورية) فعين د. جابر عصفور في 31 يناير 2011 وهو الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس الأعلى للثقافة.
كان د. جابر عصفور رمزا من رموز حركة التنوير في المجتمع المصري ورغم أنه كان من أشد المناصرين للوزير فاروق حسني في كل معاركه إلا أن احتراما بين المثقفين والمهتمين بالشأن العام بقي له رغم بعض الهنات والتصرفات العامة التي شابت حضوره الثقافي العام.
ولم يستمر د. جابر عصفور وزير اللثقافة في هذه الفترة سوى أقل من عشر أيام حتى تقدم باستقالته (لسبب لم يعلن ولم يعرف تحديدا حتى اليوم) وتولي الوزارة الأستاذ محمد عبدالمنعم الصاوي من 10 فبراير 2011..
وسط إحساس بين المثقفين أن تعيين الصاوي لم يكن سوي استجابة لضغوط (إخوانية) بدأت في التنامي دخل أروقة السلطة خاصة بعد تنحي الرئيس مبارك.. واذكر أن تجمعا تظاهر أمام الوزارة للاحتجاج على تعينه وكانت قناة الجزيرة هناك تنقل الاخبار على الهواء وحدث أن فوجئ الجميع بنزول الوزير من مكتبة لمخاطبة المحتجين وأعترف بأني كنت من الغاضبين لتعيينه لسبب غريب هو أنه أمر بغلق الستار على مسرحية كانت تعرض في (الساقية) التي يملكها لأن أمراً (أخلاقياً) لم يعجبه!!
واذكر أنني كنت متحمسا في التعبير عن استيائي لدرجة أني قلت له: هل ترى نفسك جديرا بمنصب تولاه ثروت عكاشة وبدر الدين أبو غازي وحتى يوسف السباعي؟! وصمت الرجل وصعد إلى مكتبة ولم يستمر بدورة في المنصب لتنامي الحركة الثقافية الرافضة لوجوده فتم في 5 مارس (بعد أقل من شهر) الاستغناء عنه وتعيين د. عماد أبو غازي الذي كان يتولى المجلس الأعلى وزيرا للثقافة كمعبر.
حقيقي عن جيل (الشباب) الذي انتظموا في الثورة..
كان د. عماد أبو غازي صديق قديم ولم يعرف عنه سوى الطهارة والنقاء الكامل والروح الأكاديمية ودقة العمل وشفافيته لذلك لم يتحمل أن يبقي داخل وزارة لم تأخذ موقفا واضحا من احداث محمد محمود فتقدم باستقالته.. وقبلها كان قد شرفني باختياري عضوا في لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة.
وفي ديسمبر 2011 تم تعيين د. شاكر عبدالحميد وزيرا للثقافة.. والواقع أن هذه السطور لا تكفي للحديث عن د. شاكر الذي فقدناه كرحل دولة وإنسان هو رمز للنبل والإخلاص والتفاني..
جاء تعيينه من خارج أضابير الوزارة وكنت استمع معه داخل مكتبة بالزمالك إلى هتافات يغذيها (فلول) العاملين القدامى بالوزارة ضد الرجل الذي لم يقابل ذلك سوى بالابتسام والدهشة والتجاهل فلم يكن ابدا من عشاق المناصب أو الكراسي..
مجدي أحمد علي