تأهبت قوات الجيش الإنجليزى التركى للهجوم على مواقع الفرنسيين فى القاهرة، فأرسل قائد القوات الفرنسية فى القاهرة الجنرال بليار إلى المعسكر الإنجليزى يوم 22 يونيو 1801 يطلب وقف القتال وفتح باب المفاوضة على قاعدة جلاء الفرنسيين عن مصر وإنهاء ثلاث سنوات من الاحتلال الذى بدأ بقدوم حملة بقيادة نابليون بونابرت فى سنة 1798، حسبما يذكر عبدالرحمن الرافعى فى الجزء الثانى من موسوعته «تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم فى مصر».
كان طلب الجانب الفرنسى للتفاوض إشارة إلى استسلامه أمام التحالف الإنجليزى العثمانى الذى كان قائما، ونزلت حملة له إلى شاطئ أبوقير يوم 8 مارس 1801، وواصلت محاربتها للفرنسيين لإجبارهم على الخروج من مصر، وحسب الرافعى: «جعلت مركز الجيش الفرنسى على جانب عظيم من الضعف أمام قوات الحلفاء، وتحفز سكان القاهرة.
للانقضاض عليها»، ويضيف الرافعى، أن المفاوضات استمرت أربعة أيام، وانتهت باتفاق على جلاء الجيش الفرنسى عن مصر، ووقع المندوبون عليه فى 27 يونيو، مثل هذا اليوم، 1801 وقضت الشروط أن تجلو الجنود الفرنسية البرية والبحرية التى تحت قيادة الجنرال بليار عن القاهرة وقلاعها، وقلاع بولاق والجيزة وعن كل جهة تحتلها من الأراضى المصرية، ويكون جلاء الجنود بأسلحتهم وأمتعتهم ومدافعهم وذخائرهم بطريق فرع رشيد ومن رشيد وأبوقير يبحرون إلى فرنسا على نفقة الحلفاء، ويتم الجلاء فى أقرب وقت ممكن بحيث لا يزيد عن خمسين يوما من يوم التصديق على الاتفاق، وحدد للجلاء عن القاهرة وبولاق اثنى عشر يوما.
يضيف الرافعى، أن قواد الجيش الإنجليزى التركى تعهدوا بتقديم المراكب اللازمة لنقل الجنود وأمتعة الجيش وأثقاله، وأن ترافق الفرنسيين فى انسحابهم كتائب من الجيش الإنجليزى والتركى لتقديم المؤونة اللازمة للجنود، وتعهد الإنجليز والأتراك أيضا بتقديم السفن اللازمة لنقلهم إلى ثغور فرنسا، وأن الملكيين من موظفى الإدارة وأعضاء لجنة العلوم والفنون تسرى عليهم أحكام الاتفاق، ويتمتعون بالمزايا المخولة للعسكريين، ويحق لهم أن يحملوا معهم الأوراق التى ترتبط بعملهم وأوراقهم الخاصة والأشياء الأخرى التى تخصهم، وأنه يجوز لأى مصرى أن يرافق الجيش الفرنسى فى الجلاء دون أن تصادر أملاكه أو تضطهد عائلته وذوو قرباه، ولا يجوز إيذاء أى مصرى بما أظهره من الولاء للجيش الفرنسى مدة احتلاله للبلاد.
يذكر الرافعى أن الجنرال منو كان موجودا فى الإسكندرية وقت عقد هذا الاتفاق فنص على أن يبلغ به عن طريق أحد ضباط الجيش الفرنسى وله أن يقبله فى ما يخص الجنود الذين معه فى الإسكندرية، وعليه أن يعلن بذلك قائد القوات البريطانية المرابطة أمام الإسكندرية.
ما إن تم التوقيع على شروط التسليم حتى بدأ الفرنسيون يتأهبون لإخلاء القاهرة، وينقل الدكتور محمد فؤاد شكرى فى كتابه «الحملة الفرنسية وخروج الفرنسيين من مصر» عن «الجبرتى» قوله: «أطلقوا فى 29 يونيو 1801 سراح المحبوسين فى القلعة من أسرى العثمانية، وأعطوا كل شخص مقطع قماش وخمسة عشر قرشا، وأرسلوهم إلى عرضى الوزير، وكان قد بلغ بهم الجهد من الخدمة والفعالة وشيل التراب والأحجار وضيق الحبس والجوع ومات الكثير منهم، وكذلك أفرجوا عن جملة من العربان والفلاحين».
وذهب عدد كبير من الضباط الفرنسيين إلى المعسكر الإنجليزى لتسليم خيولهم، وبعض العتاد الذين وجدوا من المتعذر عليهم أخذه معهم، كما أحضروا معهم عددا من النساء الجورجيات اللاتى رضين بمعاشرتهم، وخشى الفرنسيون أن يتعرضن لانتقام الأهلين، واحتفظ الإنجليز بالخيول والعتاد، أما النساء فقد باعوهن بيع الرقيق فى السوق لحلفائهم الأتراك، كما ينقل عن الجبرتى، أنه فى 29 يونيو 1801 سمع صوت مدفع بعد الغروب عند قلعة جامع الظاهر خارج الحسينية، ثم سمع منها أذان العشاء والفجر فلما أضاء النهار نظر الناس فإذا البيرق العثمانى بأعلاها، والمسلمون على أسوارها فعلموا بتسليمها، وكان ذلك المدفع إشارة إلى ذلك، ففرح الناس وتحققوا أمر المسالمة، وأشيع الإفراج عن الرهائن من المشايخ وغيرهم وباقى المحبوسين فى الصباح، وأكثر الفرنساوية من النقل والبيع فى أمتعتهم وخيولهم ونحاسهم وجواريهم وعبيدهم وقضاء أشغالهم، ثم أنزلوا عدة مدافع من القلعة، وكذلك من قلعة باب البرقية وأمتعة وفروش وبارود.
ويذكر «الجبرتى» أنه فى 30 يونيو 1801 انعقد الديوان «وحضر الوكيل وأعلن بوقوع الصلح والمسالمة، ووعد أن فى الجلسة الآتية يأتى لهم فرمان الصلح، ويسمعونه جهارا، وظل الفرنسيون ينقلون أمتعتهم من» القلعة الكبيرة وباقى القلاع» طيلة ذلك اليوم، كما أفرجوا فى الأيام التالية عن «بقية المسجونين والمشايخ» فكان من بين هؤلاء محمد جلبى أبودفية، وإسماعيل القلق ومحمد شيخ الحارة بباب اللوق، والبرنوسى نسيب أبى دفية، والشيخ خليل المنير ثم الشيخ السادات، والشيخ الشرقاوى والشيخ الأمير والشيخ محمد المهدى وحسن أغا المحتسب ورضوان كاشف الشعراوى وغيره، وقد نزل هؤلاء الأخيرون إلى بيت قائمقام وقابلوه وشكروه، فقال للمشايخ إن شئتم اذهبوا فسلموا على الوزير فإنى كلمته ووصيته عليكم».