حسام الدين علام

القانون والرياضة: من بهجة الإنجاز إلى استدامة التميز

الجمعة، 26 يونيو 2026 12:00 ص


للرياضة قدرة خاصة على أن تمنح المجتمع لحظات مُشرقة، يلتقي فيها الفرح بالتقدير، والحماس بالتأمل، والثقة بالعمل. فالإنجاز الرياضي لا يُختصر في نتيجة، ولا يَنتهي بانتهاء المنافسة؛ إذ يفتح أمامنا مساحة أوسع لفهم الطريق الذي صنعه، والمؤسسات التي احتضنته، والقواعد التي حفظت عدالته، والعلم الذي رفع مستوى الأداء.

ومن هنا تبدو العلاقة بين القانون والرياضة أكثر عمقًا مما قد يوحي به ظاهر المشهد. فالرياضة تحتاج إلى الموهبة، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى بيئة قانونية مستقرة، وإدارة كفؤة، ورعاية صحية ونفسية، ونُظم واضحة لحماية الحقوق وتسوية المنازعات. والقانون لا يصنع البطل بقرار، لكنه يصنع البيئة التي تمنح الموهبة فرصتها العادلة، وتحول الإنجاز من حدث عابر إلى مسار قابل للاستمرار.

 

الحق الدستوري في الرياضة يرسخ بناء الإنسان

نصت المادة 84 من الدستور المِصري على أن "ممارسة الرياضة حق للجميع، وعلى مؤسسات الدولة والمجتمع اكتشاف الموهوبين رياضيًا ورعايتهم، واتخاذ ما يلزم من تدابير لتشجيع ممارسة الرياضة، وينظم القانون شؤون الرياضة والهيئات الرياضية الأهلية وفقًا للمعايير الدولية، وكيفية الفصل في المنازعات الرياضية".
ويكشف هذا النص عن رؤية متكاملة تبدأ من الحق في الممارسة، ثم تنتقل إلى اكتشاف الموهبة ورعايتها، وتنتهي إلى التنظيم المؤسسي وتسوية المنازعات. وبذلك لا تنحصر الرياضة في نطاق البطولات، بل تتصل بالصحة والتعليم وتنمية الشخصية والمشاركة المجتمعية.

 

فالرياضة تُعلم احترام القاعدة، والعمل في فريق، وتحمل المسؤولية، وضبط الانفعال، والمثابرة. وهذه قيم تربوية ومدنية لا تقل أهمية عن المهارة البدنية. ولذلك فإن المدرسة، والجامعة، ومركز الشباب، والنادي، والأسرة، جميعها شركاء في تحويل الحق الدستوري إلى ممارسة يومية.


ويتفق ذلك مع الميثاق الدولي للتربية البدنية والنشاط البدني والرياضة الصادر عن اليونسكو، الذي يربط جودة الممارسة بالإتاحة، والكفاءة المهنية، وسلامة المنشآت، والبحث العلمي، والتقييم المستمر. فالحق في الرياضة لا يكتمل بمجرد فتح المجال، وإنما يكتمل حين تكون الممارسة آمنة ومنظمة وعادلة.

 

التشريع الحديث يوازن بين الاستقلال والحوكمة

وضع قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017، وتعديلاته الصادرة بالقانون رقم 171 لسنة 2025، إطارًا أكثر تطورًا لتنظيم الهيئات الرياضية، ودعم الاستقرار المؤسسي، وتعزيز النزاهة والشفافية، وفتح آفاق الاستثمار. ويعكس هذا التطور إدراكًا لطبيعة الرياضة الحديثة بوصفها مجالًا تتداخل فيه الإدارة والاقتصاد والإعلام والطب والتكنولوجيا والعلاقات التعاقدية.

وتقوم الحوكمة الرياضية على وضوح الاختصاصات، وسلامة الإدارة المالية، والإفصاح عن المصالح، وتسبيب القرارات، وربط السلطة بالمسؤولية. وهي لا تتعارض مع استقلال الهيئات الرياضية، بل تمنحه مضمونًا أكثر نضجًا؛ لأن الاستقلال المؤسسي يكتسب قيمته حين يقترن بالشفافية والمساءلة وحسن الإدارة.

ومن أفضل الممارسات الحديثة اعتماد مدونات واضحة للسلوك، وقواعد للإفصاح عن تعارض المصالح، وسياسات معلنة للمشتريات والرعاية، وتقارير دورية عن الأداء المالي والإداري. وهذه الأدوات لا تُثقل المؤسسة، وإنما تحمي سمعتها وتدعم الثقة فيها. كما أن القرار الرياضي الذي يمس لاعبًا أو مدربًا أو ناديًا ينبغي أن يكون معلوم الأساس، وأن تصاحبه وسيلة عادلة للتظلم أو المراجعة. فعدالة الإجراءات لا تقل أهمية عن عدالة النتيجة، وهي التي تمنح القرار مشروعيته وتضمن احترامه.

 

حماية الرياضي جوهر الرياضة الآمنة

تضع التجارب الدولية المعاصرة الرياضي في مركز الحماية القانونية والمؤسسية. فالرياضي إنسان له حق في السلامة الجسدية والنفسية، والرعاية الطبية، والتعليم، والخصوصية، والمعاملة الكريمة، والمشاركة الواعية في القرارات التي تمس مسيرته. وقد تطور مفهوم "الرياضة الآمنة" ليشمل الوقاية من العنف والإساءة والتحرش والاستغلال، مع توفير قنوات مستقلة وسرية للإبلاغ، وضمان حماية المُبلغين، وتدريب المدربين والإداريين على اكتشاف المَخاطر والتعامل معها. وتزداد أهمية هذه الضمانات بالنسبة إلى الأطفال والناشئين، لأن الرعاية في هذه المرحلة يجب أن توازن بين الطموح الرياضي والتعليم والصحة والنمو النفسي.


ومن المناسب أن تتبنى المؤسسات الرياضية سياسات مكتوبة لحماية الناشئين، وأن تعين مسؤولًا مختصًا بالحماية، وأن تضع قواعد واضحة للتعامل بين المدربين واللاعبين، وأن تتيح الدعم النفسي والقانوني عند الحاجة.

كما ينبغي أن تمتد الحماية إلى البيانات الرياضية والصحية التي تجمعها التقنيات الحديثة. فهذه البيانات لها قيمة فنية وتجارية، وتتصل أيضًا بالخصوصية. ومن ثم، يجب أن يَخضع جَمعها واستخدامها لمبادئ الموافقة والضرورة والشفافية والأمن الرقمي، مع ضمان حق الرياضي في معرفة كيفية استخدامها.
 

النزاهة تصون قيمة المنافسة وثقة الجمهور

تقوم الرياضة على ثقة الجمهور في أن النتيجة تعكس الأداء الحقيقي داخل منافسة عادلة. ولذلك تشمل حماية النزاهة مكافحة المُنشطات، ومنع التلاعب بالمنافسات، وصون سرية المعلومات، وضبط تعارض المصالح. ويُقصد بتعارض المصالح الحالة التي تكون فيها للشخص المسؤول مصلحة خاصة، مالية أو شخصية أو مهنية، قد تؤثر في حياده عند اتخاذ القرار، أو تثير شكًا معقولًا في هذا الحياد؛ كأن يشارك مسؤول في قرار يتعلق بنادٍ تربطه به مصلحة مباشرة، أو يستخدم حكم أو لاعب أو إداري معلومات داخلية لتحقيق منفعة خاصة. ولا يعني وجود المصلحة ثبوت المخالفة تلقائيًا، لكنه يقتضي الإفصاح عنها، والامتناع عن المشاركة في القرار عند اللزوم، ووضع قواعد مؤسسية تحول دون إساءة استغلالها وتحافظ على الثقة في عدالة المنافسة.

وتقدم اتفاقية مجلس أوروبا لمكافحة التلاعب بالمنافسات الرياضية، المعروفة باسم "اتفاقية ماكولين"، نموذجًا مهمًا في هذا المجال؛ إذ فُتحت للتوقيع في سويسرا في 18 سبتمبر 2014، ودخلت حيز النفاذ في 1 سبتمبر 2019. وتهدف الاتفاقية إلى منع التلاعب بالمنافسات وكشفه ومواجهته من خلال التعاون بين السلطات العامة والهيئات الرياضية ومنظمي المنافسات والجهات المرتبطة بالمراهنات، وإنشاء منصات وطنية لتبادل المعلومات وتحليل المخاطر وتنسيق الاستجابة. ويمكن الاستفادة من مبادئها عند تطوير آلية وطنية للنزاهة الرياضية تتولى الإنذار المبكر، وتلقي البلاغات الآمنة، وتعزيز الوعي لدى اللاعبين والحكام والإداريين. ويكتمل ذلك بتطبيق قواعد مكافحة المنشطات وفق المدونة العالمية، مع ضمان سلامة جمع العينات، وحق الرياضي في الدفاع، وعدالة الإجراءات، والتثقيف المستمر؛ لأن حماية النزاهة تبدأ بالوقاية والمعرفة، ثم تستند عند وقوع المخالفة إلى إجراء منصف يصون المنافسة وحقوق الرياضي معًا.

 

نحو أجندة مؤسسية تجعل التميز قابلًا للاستمرار

تتطلب المرحلة المقبلة الانتقال من النصوص العامة إلى أدوات تنفيذية قابلة للقياس. ويأتي في مقدمتها إعداد إطار وطني موحد للرياضة الآمنة، يتضمن معايير حماية الناشئين، وقواعد الإبلاغ، وبرامج تدريب إلزامية للعاملين في قطاعات الناشئين.

كما يفيد إنشاء منصة وطنية للنزاهة الرياضية، على غرار أفضل الممارسات الدولية، تتولى تنسيق جهود مكافحة التلاعب والمنشطات وتعارض المصالح. ويمكن دعم ذلك بسجل رقمي وطني للمواهب يربط بين المدارس والجامعات ومراكز الشباب والأندية والاتحادات، مع الالتزام بحماية البيانات الشخصية.


ومن المهم كذلك تطوير مسار التعليم المزدوج للرياضيين، بحيث يتمكن اللاعب من الجمع بين التدريب والتعليم والتأهيل المهني، بما يضمن مستقبلًا مستقرًا بعد انتهاء مسيرته الرياضية. كما يستحسن دعم التخصص في الوساطة والتحكيم الرياضي، وتبسيط إجراءات تسوية المنازعات، ونشر المبادئ القانونية المستقرة بما يعزز اليقين القانوني.

ويكتمل هذا المسار بربط الحوافز والدعم بمؤشرات الحوكمة والشفافية وحماية الرياضيين، وتشجيع الاستثمار في المنشآت المستدامة، والرياضة المدرسية، والرياضة النسائية، ورياضة الأشخاص ذوي الإعاقة، بما ينسجم مع رؤية مصر 2030 وأهداف التنمية المستدامة.


فالإنجاز الرياضي يبعث الفرح والثقة، أما استدامته فتحتاج إلى قانون يَحمي، ومؤسسة تحسن الإدارة، وعلم يطور الأداء، وثقافة تضع الإنسان في قلب المنظومة. وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح الرياضة مجالًا لبناء الإنسان، وتعزيز جودة الحياة، وصناعة تميز مستمر.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة