في عالم يزداد اعتماده على الطاقة النووية كمصدر نظيف للكهرباء، وفي ظل سباق تسلح نووي متجدد، يبرز عنصر اليورانيوم باعتباره "العملة الجديدة" للقرن الحادي والعشرين. ومع أن أكثر من نصف احتياطيات اليورانيوم العالمية القابلة للاستخراج تتركز في ثلاث دول فقط، فإن خريطة الإنتاج الفعلي ترسم صورة مختلفة تمامًا، تعكس تناقضات جيوسياسية واقتصادية عميقة.
تشير أحدث بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الصادرة في "الكتاب الأحمر" لعام 2024، إلى أن إجمالي الموارد العالمية المؤكدة من اليورانيوم القابلة للاستخراج بتكاليف لا تتجاوز 130 دولارًا للكيلوجرام الواحد قد بلغ نحو 5.9 مليون طن.
أستراليا.. ملك الاحتياطيات الذى لا يستثمر كنزه
تتصدر أستراليا قائمة الدول من حيث حجم احتياطات اليورانيوم يحيازتها 1,67 مليون طن وهو ما يمثل 28% من إجمالي الاحتياطيات العالمية ، وهذا الرقم يفوق بأكثر من الضعف ما تمتلكه كازاخستان التي تحتل المركز الثانى
لكن المفارقة أن استراليا رغم هذا الكم الهائل من الثروة ، لا تحتل سوى المركز الرابعة فى قائمة الدول المنتجة لليورانيوم ، بإنتاج بلغ 4,598 طنًا فقط في عام 2024. ويعزو خبراء الصناعة هذا التراجع إلى عدة عوامل، أبرزها، العقبات التنظيمية الصارمة التي تفرضها الحكومة الاسترالية على مشاريع التعدين الجديدة ، وطول فترة الترخيص وإعداد المواقع ، التي قد تستغرق سنوات قبل بدء سنوات الإنتاج الفعلى ، والسياسات الحكومية التي لا تشجع سوى التوسع السريع فى الإنتاج رغم وجود الطلب العالمى.
كازاخستان: عملاق الإنتاج رغم المركز الثاني في الاحتياطيات
تحتل كازاخستان المركز الثاني عالميًا من حيث الاحتياطيات، بـ 813,900 طن، تشكل 14% من الإجمالي العالمي. لكنها، خلافًا لأستراليا، هي أكبر منتج لليورانيوم في العالم، حيث بلغ إنتاجها 23,270 طنًا في عام 2024، أي ما يمثل 39% من الإمدادات العالمية.
تعتمد كازاخستان بشكل كبير على تقنية الترشيح في الموقع (In-Situ Leaching)، التي تمثل أكثر من 50% من الإنتاج العالمي، وهي طريقة أقل تكلفة وأقل تأثيرًا بيئيًا من التعدين التقليدي.
وتشير التوقعات إلى أن كازاخستان تخطط لرفع إنتاجها إلى ما بين 27,500 و29,000 طن خلال عام 2026، مما يعزز موقعها كأكبر مورد لليورانيوم في السوق العالمية.
كندا: الجودة والموثوقية في المرتبة الثالثة
تمتلك كندا 582,000 طن من احتياطيات اليورانيوم، بنسبة 10% من الإجمالي العالمي، محتلة المركز الثالث. لكن الإنتاج الكندي البالغ 14,309 طنًا في 2024 (24% من الإنتاج العالمي) يجعلها ثاني أكبر منتج بعد كازاخستان.
باقى الخريطة: ناميبيا وروسيا والصين في السباق
رغم أن أستراليا وكازاخستان وكندا تسيطران على 52% من الاحتياطيات، فإن الدول الثلاث لا تهيمن على الإنتاج بنفس النسبة. فإلى جانب كازاخستان وكندا، تبرز ناميبيا كثالث أكبر منتج بـ 7,333 طنًا (12% من الإنتاج العالمي)، رغم أن احتياطياتها لا تتجاوز 8% من الإجمالي العالمي.
كما تحتل روسيا المرتبة الخامسة في الاحتياطيات (8%)، لكن إنتاجها لا يتجاوز 2,738 طنًا، بينما تمتلك الصين 5% من الاحتياطيات، وينمو إنتاجها ببطء ليصل إلى حوالى 2,200 طن في 2025.
احتياطيات في الأرض وفجوة في الإنتاج
تؤكد هذه الأرقام أن امتلاك احتياطيات ضخمة لا يعني بالضرورة الريادة في الإنتاج، فالعقبات السياسية والتنظيمية والاستثمارية تلعب دورًا حاسمًا في ترجمة المخزون الجيولوجي إلى إمدادات فعلية في الأسواق. ومع توقعات وكالة الطاقة النووية العالمية أن يرتفع الطلب على اليورانيوم إلى 150 ألف طن سنويًا بحلول عام 2040، بينما قد لا يتجاوز الإنتاج من المصادر الحالية 70 ألف طن، فإن الفجوة بين الاحتياطيات والإنتاج ستظل تحديًا جيوسياسيًا واقتصاديًا يضع الدول الثلاث الكبرى – أستراليا وكازاخستان وكندا – في بؤرة الاهتمام العالمي لعقود قادمة.