​وزير البيئة الأسبق لـ"اليوم السابع" تفاصيل مواجهة عطش الشرق الأوسط بالذكاء الاصطناعى.. خالد فهمى: تحالف إقليمى يجمع مصر وقبرص لمواجهة خطر التغير المناخى وندرة المياه.. والدبلوماسية العلمية جبهة لإنقاذ المنطقة

الإثنين، 22 يونيو 2026 06:00 م
​وزير البيئة الأسبق لـ"اليوم السابع" تفاصيل مواجهة عطش الشرق الأوسط بالذكاء الاصطناعى.. خالد فهمى: تحالف إقليمى يجمع مصر وقبرص لمواجهة خطر التغير المناخى وندرة المياه.. والدبلوماسية العلمية جبهة لإنقاذ المنطقة ​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذى لـ"سيدارى"

​كتبت – منال العيسوي

​​في عالم السياسة، قد تختلف الدول على الحدود والسياسات، لكن في عالم البيئة، لا يحمل السحاب جواز سفر، ولا يعترف التلوث بالحدود الجغرافية. ولطالما عانت الأوساط الأكاديمية العربية من أزمة الأبحاث المهجورة،  إذ تظل آلاف الرسائل العلمية والدراسات الدقيقة حول التكيف المناخي مكدسة في المكتبات، دون أن تجد طريقها إلى يد المهندس الذي يبني السد، أو المستثمر الذي يستصلح الصحراء، أو المسؤول الذي يشرّع القوانين. ومن هنا، يحتاج العالم اليوم إلى جسر عبور حقيقي يحوّل الحبر على الورق إلى مشروعات هندسية وبيئية حية.

 

​قصص كفاح يومية مع الجفاف

​وسط تشققات الأرض في المنطقة العربية، تُروى قصص كفاح يومية مع الجفاف. وتحت وطأة صيف بات يلهب الأجساد بموجات حر غير مسبوقة، لم يعد تغير المناخ مجرد مصطلح يتردد في أروقة المؤتمرات الدولية، بل تحول إلى مسألة حياة أو موت لشعوب منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط،  ومن قلب هذه المعاناة الإنسانية، ومنعاً لتحول أراضينا الخصبة إلى صحاري قاحلة، برزت فكرة الانتقال من خط الدفاع التقليدي الذي ينتظر الكارثة ثم يتعامل مع آثارها، إلى خط الدفاع الاستباقي، فالأرض العربية وشواطئ قبرص يواجهان مصيراً مشتركاً، إذ يمتد حزام التصحر ليلتهم مساحات كانت بالأمس القريب سلالاً للغذاء، لتصبح الدبلوماسية العلمية هي الخطوة التي تمثل طوق النجاة العلمي لتحويل الأبحاث إلى دروع تحمي الإنسان والأرض.


​كل هذه التفاصيل وأكثر، كانت أبرز ما صرح به الدكتور خالد فهمي، وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي الحالي لمركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري)، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" على هامش توقيع "سيداري" ومعهد قبرص برئاسة البرفيسور ستافروس مالاس مذكرة تفاهم تاريخية، وإعلان انضمام المركز إلى التحالف العلمي الإقليمي لتغير المناخ.

وأكد فهمي أن هذا الانضمام يفتح الباب على مصراعيه لما يُعرف بـ"الدبلوماسية العلمية"، موضحاً أن التحالف يجمع كبرى المؤسسات البحثية والجامعات لتبادل المعرفة والبيانات المناخية بدقة. وأشار إلى أن التركيز الأساسي سينصب على معالجة ندرة المياه، وحماية الأنظمة البيئية الساحلية والبحرية التي تواجه خطر التآكل، فضلاً عن تحسين جودة الهواء التي تؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة للمواطنين في المنطقة.

 

​البؤر البيئية الساخنة في حوض المتوسط

​وأشار فهمي إلى أنه كي نفهم الأبعاد العميقة لهذا التحالف العلمي، يجب أولاً أن نضع المشرط على الجرح البيئي للمنطقة؛ حيث تُصنف منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط علمياً بأنها "بؤرة مناخية ساخنة"،  إذ تشير البيانات المناخية المرصودة حتى عام 2026 إلى أن معدلات ارتفاع درجات الحرارة في هذه المنطقة تتجاوز المعدل العالمي بنسبة تقترب من 20%، وهذا الارتفاع ليس مجرد أرقام تُسجل في مراصد الأرصاد الجوية، بل هو ترس يدور ليطحن مقومات الحياة اليومية.

 

​تأثير المناخ على الحياة اليومية

​وأكد الدكتور خالد فهمي أن ارتفاع الحرارة يؤدي إلى زيادة نسب التبخر في السدود والبحيرات العذبة، مما يعني خسارة ملايين الأمتار المكعبة من المياه الصالحة للشرب والزراعة سنوياً دون الاستفادة منها. هذا بالإضافة إلى أزمة تداخل مياه البحر؛ حيث تعاني دلتا نهر النيل من زحف المياه المالحة نحو الخزان الجوفي، مما يهدد بملوحة التربة وفقدان آلاف الأفدنة الزراعية التي تؤمن الغذاء لملايين البشر. ويسبب ذلك نوعاً مختلفاً من اللجوء وهو "الهجرة المناخية القسرية"؛ فلم يعد الجفاف يدمر الزرع فقط، بل يطرد البشر أيضاً، حيث بدأت بعض القرى والمناطق الريفية في التخلي عن النشاط الزراعي والهجرة نحو المدن المكتظة، مما يخلق ضغطاً ديموغرافياً واقتصادياً هائلاً.

 

​ملامح استراتيجية مواجهة التحديات المناخية

​ووصف الدكتور خالد فهمي ما شهده مقر "سيداري" بالقاهرة أمس بأنه حدث ليس ببسيط، حيث صاغ الخبراء ملامح استراتيجية جديدة لمواجهة التحديات المناخية المتزايدة من خلال توقيع مذكرة التعاون بين "سيداري" ومعهد قبرص برئاسة البرفيسور ستافروس مالاس، وبحضور البروفيسور فادي قمير، منسق فرقة العمل المعنية بالمياه، هذا اللقاء لم يكن بروتوكولياً، بل جاء كاستجابة فورية لظواهر متطرفة تهدد أمن المياه وتسرّع من تدهور الأراضي، بهدف وضع حلول مبتكرة تضمن استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

 

​الأراضى العربية وشواطئ قبرص تواجهان مصيراً مشتركاً

​ويوضح فهمي أن فكرة الاستجابة الفورية هنا تعني الانتقال من خط الدفاع التقليدي وانتظار الكارثة إلى خط الدفاع الاستباقي. فالأرض العربية وشواطئ قبرص تواجهان مصيراً مشتركاً أمام حزام التصحر الذي يلتهم مساحات شاسعة،  ومن ثم، يهدف التحالف إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة مثل الاستشعار عن بُعد، والذكاء الاصطناعي المناخي، للتنبؤ بموجات الجفاف قبل حدوثها بأشهر، مما يتيح للمزارعين وصناع القرار وضع خطط بديلة للمحاصيل وإدارة المخزون المائي بحكمة.

 

​الدبلوماسية العلمية وأمن المياه

​وشدد فهمي قائلاً: "في عالم السياسة، قد تختلف الدول على الحدود والسياسات، لكن في عالم البيئة، لا يحمل السحاب جواز سفر، ولا يعترف التلوث بالحدود الجغرافية، وهنا تأتي قيمة الدبلوماسية العلمية كأداة لتوحيد الرؤى وتجاوز العقبات الجيوسياسية، قائلا:"  عندما يجلس الباحث المصري بجوار العالم القبرصي، تتوحد لغة الأرقام والبيانات حول خرائط المخاطر المشتركة، وتبرز ضرورة بناء قاعدة بيانات موحدة ترصد بدقة السواحل المهددة بالتحلل والتآكل نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى إدارة الأحواض المائية المشتركة، وتقديم استشارات علمية محايدة وحلول هندسية بيئية مستدامة للدول المطلة على حوض المتوسط لإدارة مواردها المائية دون إحداث ضرر بالبلدان المجاورة.

واكد الدكتور خالد فهمى قائلا:"  نحن في سيداري كمؤسسة دولية معنية بالبيئة والتنمية لاقليمنا العربي وعلاقاته مع اوروبا نجد في الاتفاقية الموقعة مع المعهد القبرصي والذي ينخرط في تعاون وتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي الاوسطي تفتح المجال للخبراء والعلماء العرب في التواصل مع أقرانهم في المجالات العلمية ونقل الخبرات في مجال التكييف مع الاثار البيئية العنيفة ، وتأتي المبادرة لتعاون دول شرق المتوسط كألية من آليات الدبلوماسية العلمية".

 

​الصحة العامة وجودة الهواء

​وهنا ينوه فهمي إلى ضرورة مراقبة مسارات العواصف الترابية ومستويات الانبعاثات الكربونية، وربطها بزيادة الأمراض الصدرية والتنفسية، لتقديم توصيات دقيقة للمنظومات الصحية الإقليمية لتكون على أهبة الاستعداد لمواجهة هذه الطوارئ الصحية.

 

​من أوراق البحث إلى سياسات الأرض

​وأشار الدكتور خالد فهمي إلى أن أهم ما يميز هذا التعاون المشترك هو السعي لإنهاء الفجوة بين البحث العلمي وصنع السياسات، مؤكداً أنه لن تظل الدراسات حبيسة الأدراج، بل ستتحول عبر برامج تدريبية وورش عمل فنية إلى مشروعات إقليمية ودولية تُطبق على أرض الواقع. واوضح أن الهدف الأسمر هو بناء القدرة على الصمود في وجه الظواهر المتطرفة، وتمكين صناع القرار من اتخاذ خطوات استباقية مبنية على أسس علمية واضحة لإنقاذ التنمية المستدامة في المنطقة العربية وحوض المتوسط.

 

​محاور التحرك على أرض الواقع وخارطة طريق 2026 وما بعدها

​ويقول فهمي: "يتضمن هذا التحالف الإقليمي خطة عمل تنفيذية تمتد لعدة مسارات حيوية، تم تفكيكها بناءً على الاحتياجات العاجلة للمنطقة". ومن هذه المسارات الأنظمة البيئية الساحلية والبحرية، حيث تواجه الشواطئ الرملية لشرق المتوسط أزمة تآكل حادة تهدد القطاعات السياحية والثروة السمكية، فضلاً عن البنية التحتية للمدن الساحلية مثل الإسكندرية في مصر، وليماسول في قبرص. وسيعمل التحالف على تطوير حلول قائمة على الطبيعة، مثل إعادة استزراع أشجار المانجروف، وبناء حواجز أمواج صديقة للبيئة تحمي الشواطئ وتسمح في الوقت نفسه بنمو الحياة البحرية وتكاثر الأسماك، ومكافحة التصحر وزحف الرمال، اذ تشمل المشروعات المشتركة تفعيل تقنيات مبتكرة لتثبيت التربة، واستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثياً في إنشاء أحزمة خضراء حول المدن الكبرى لصد العواصف الترابية، فضلاً عن استنباط سلالات من المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير تكون أكثر تحملاً للملوحة والجفاف، لضمان الأمن الغذائي للمنطقة.

 

​أمن المياه وإدارتها المستدامة
 

كشف فهمي أنه في ظل الفقر المائي الحاد الذي تمر به المنطقة، سيركز التعاون على نقل التكنولوجيا الخاصة بتحلية مياه البحر بالطاقة المتجددة التحلية الخضراء الخالية من الانبعاثات،  لتقليل تكلفتها الاقتصادية والبيئية، مع تعزيز أساليب الري الحديثة كـ"الري بالتنقيط الذكي" لتقليل الفاقد المائي في قطاع الزراعة الذي يستهلك وحده أكثر من 80% من الموارد المائية المتاحة.

 

​صرخة تحذير أخير وفرصة للنجاة

​جدير بالذكر أن التوقيع الذي شهده مقر "سيداري" بالقاهرة، بحضور القامات العلمية والمسؤولين من الجانبين، ليس مجرد حدث عابر في أجندة العمل البيئي، بل هو إعلان حالة طوارئ علمية من منطقة لم تعد تملك رفاهية الوقت. إن جحيم المناخ الذي يهدد الشرق الأوسط وشرق المتوسط يتطلب تضافراً حقيقياً يتجاوز الكلمات، وانضمام مركز إقليمي عريق بحجم "سيداري" إلى التحالف العلمي الإقليمي لتغير المناخ يؤكد أن الحلول يجب أن تولد من رحم المنطقة نفسها، وبأيدي علمائها الذين يفهمون طبيعة أرضها وطباع شعوبها. والآن، الكرة في ملعب صناع القرار والجهات التمويلية الدولية لتحويل هذه الرؤية العلمية المشتركة إلى واقع ملموس على الأرض، لكي تبقى هذه المنطقة نابضة بالحياة، ولكي لا تبتلع الشقوق ما تبقى من أمل في عيون الأجيال القادمة.

​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري (1)
​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري
​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري (2)
​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري
​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري (3)
​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري
​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري (4)
​وزير البيئة الأسبق والمدير التنفيذي لـسيداري



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة