كشفت منصة وزارة الأوقاف عن أسرار وتفاصيل محاولات الهيكل التنظيمى لجماعة الإخوان المسلمين السيطرة على مفاصل الدولة المصرية، عبر مخطط تمكين واجهته الدولة المصرية بقوة، حيث قادت المؤسسات الوطنية والأجهزة الأمنية- بالتلاحم مع الإرادة الشعبية فى ثورة 30 يونيو- حراكًا حاسمًا لتفكيك هذا المشروع الإرهابى وحماية الهوية الوطنية، ومن رحم هذه المواجهة، عبرت مصر نحو مرحلة جديدة من الاستقرار الأمنى والنهضة التنموية الشاملة.
محطات
تأسس الهيكل التنظيمى لجماعة الإخوان المسلمين عام 1936 كنتاج لمرحلة تحول مهمة، حيث انتقلت من جمعية دعوية إلى تنظيم سياسى شامل، وقد استلهم مؤسس الجماعة، حسن البنا، هذا الشكل التنظيمى من اطلاعه على التنظيمات السرية والثورية والحزبية وهيكلية المؤسسات الماسونية، وقد صُمِّمَ الهيكل على نمط المركزية الهرمية بهدف تحقيق الانضباط الداخلى، وحماية التنظيم من الاختراق.
يتصدر هذا البناء منصب المرشد العام، وهو أعلى سلطة قيادية وتنفيذية، ويُنتخب من قبل مجلس الشورى فى انتخابات سرية، وقد جرى تعديل نظام انتخاب المرشد العام فى مؤتمر الجماعة العام لعام 2010، حيث حددت مدة ولايته بفترتين متتاليتين، مدة كل منهما 6 سنوات، بدلًا من نظام ولاية مدى الحياة، ويعاونه فى مهامه مكتب الإرشاد، وهو الهيئة التنفيذية العليا، ويتكون من 16 عضوًا ينتخبهم مجلس الشورى العام، وله سلطة اتخاذ قرارات طارئة.
وإلى جانب مكتب الإرشاد، يمثل مجلس الشورى العام الهيئة التشريعية الداخلية، ويتألف من 90 عضوًا يُنتخبون من قبل المجالس المحلية، ويختص بانتخاب المرشد العام والمصادقة على الميزانية العامة.
أما على المستوى الميدانى، فتنقسم الجماعة إلى وحدات إدارية متسلسلة، تبدأ من الأسرة كخلية أساسية، تضم من 4 إلى 7 أعضاء يجتمعون أسبوعيًا، وتُعد أداة للتربية الفكرية والرقابة الاجتماعية «تقرير المركز الأوروبى لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات».
ثم تتدرج التنظيمات إلى الشعبة التى تضم من 5 إلى 6 أسر، ثم المنطقة التى تضم من 3 إلى 4 شعب، ثم المكتب الإدارى على مستوى المحافظة، وقد ساعد هذا التنظيم المحكم الجماعة على الصمود والاستمرار.
غير أن هذا الهيكل الصارم أصبح مصدرًا لأزمات داخلية، خاصة بعد أحداث 2013، حيث برزت انقسامات حادة حول شرعية القيادة وآليات صنع القرار، وقد صُنفت الجماعة كإرهابية فى مصر بموجب حكم قضائى صادر عن محكمة الأمور المستعجلة فى 25 سبتمبر 2013، كما صنفتها كذلك كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسوريا وروسيا.
أدوات النفوذ داخل مؤسسات الدولة
مع اندلاع ثورة 25 يناير، لم تكن الجماعة فى مقدمة المشهد، بل تعاملت بحذر فى بدايات الحراك، لكن مع اتساع رقعة الاحتجاجات، انتقلت سريعًا إلى قلب المشهد السياسى، وبعد سقوط النظام، تحركت لملء الفراغ عبر تأسيس حزب الحرية والعدالة، ليتحول التنظيم من موقع المراقبة إلى موقع القيادة فى وقت قياسى.
تُعد انتخابات 2012 واحدة من أكثر اللحظات جدلًا فى تاريخ الجماعة، فبعد إعلان سابق بعدم الترشح للرئاسة، تم الدفع بـ«خيرت الشاطر»، ثم دعم محمد مرسى بعد استبعاد «الشاطر»، هذا التحول فُسر من خصوم الجماعة باعتباره براجماتية سياسية حادة، وعبر تاريخها لم تكن التحالفات السياسية لدى الجماعة ثابتة أو طويلة الأمد، لكنها ارتبطت فى معظم الحالات بتوازنات القوة اللحظية، ما جعلها عرضة للتبدل مع تغير الظروف، وهو ما عزز صورة الجماعة كتنظيم سياسى يستخدم التحالفات كوسائل تكتيكية، لا كالتزامات استراتيجية.
يفسر المتابعون لتحركات جماعة الإخوان الإرهابية أن سلوكها على مدار العقود تجاوز حدود المرونة إلى إعادة تعريف المواقف وفق المصلحة المباشرة، بما أضعف من ثباتها السياسى وأفقدها جزءًا من المصداقية، فمنذ التأسيس وحتى اللحظة، يظهر أن البراجماتية كانت عنصرًا ثابتًا فى مسار الجماعة.
استغلال العمل السياسى لتحقيق التمكين
على المستوى النظرى عند جماعة الإخوان، وفى الأدبيات الأولى لـ«جماعة الإخوان المسلمين» نجد تصورًا يذهب إلى أن رحلة التمكين تبدأ بتمكين الأفراد، من خلال تربية روحية وأخلاقية، تبنى فردًا قويًا من الناحيتين العقدية والسلوكية، ثم تمكين الجماعة من المجتمع عبر إقامة مؤسسات اجتماعية واقتصادية وثقافية قوية، مثل الجمعيات الخيرية والنوادى والشركات، ليأتى بعد هذا تمكينها السياسى، عبر الانخراط فى الحياة السياسية ومغالبة المتبارين فى ساحتها، لينتهى إلى التمكين الشامل، وهو حيازة السلطة السياسية داخل الدولة القطرية، كنقطة ارتكاز أساسية فى طريق «الأممية» التى تعنى إقامة «خلافة»، تطبق الشريعة وفق تصور الإخوان لها، وتستعيد لـ«المسلمين» مكانتهم التى تسيدت العالم 7 قرون.
والحديث عن التمكين ظل متداولًا بين أعضاء الجماعة والمهتمين بدراسة الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية، المسلح منها والدعوى، إلى أن خرج إلى العلن واضح المعالم عام 2005، حين ضبطت أجهزة الأمن المصرية وثيقة تسمى «خطة التمكين» مكونة من 13 صفحة، فى مكتب خيرت الشاطر، نائب مرشد الإخوان المسلمين، ضمن ما عرفت بقضية «سلسبيل»، التى قفزت وقتها إلى سطح الأحداث، وصارت محل تناول وتداول، امتد من النخب السياسية والفكرية إلى عموم الناس، عبر مختلف وسائل الإعلام.
ورغم إشاعة ما ورد فى هذه الوثيقة من أسرار، واتخاذ السلطة السياسية تدابير فى احتواء أثرها، لم يتخلَ الإخوان عنها، سواء على مستوى الخطاب المستتر، أو الممارسة المراوِحة بين السرية والعلنية، ليجنوا ثمرة هذا عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، وقد قيمت الجماعة وضعها عقب رحيل «مبارك»، وظهورها قوة اجتماعية وسياسية على الساحة، على أنها قد ودعت مرحلة «الصبر»، وبلغت التمكين فعلًا، ما حكم تصرفها فيما بعد، حين تخلت عن شعاريها الدائمين: «مشاركة لا مغالبة» و«لا نريد الحكم، إنما نريد أن نُحكم بالإسلام»، وحصدت الأغلبية فى مجلسى الشعب والشورى، ثم وصل أحد قادتها وهو محمد مرسى إلى رئاسة مصر.
لكن لم يمر وقت طويل حتى اكتشف الإخوان أن شعورهم بالوصول إلى هذه المحطة كان زائفًا، دون أن تتوافر لهم فرصة التراجع والبناء من جديد، كما كان يتم فيما سبق، لأن وصولهم إلى السلطة أظهر الكثير من نواياهم وخططهم المستترة الخبيثة، وكشف عناصرهم وخلاياهم النائمة، لقد اعتقد الإخوان أن وقت التمكين قد أزف، حين جلسوا ليرتبوا أوراقهم عقب تنحى «مبارك» عن السلطة، وبناء على تصورهم من أنهم قد بلغوا مرحلة «التمكين» بالفعل، اتخذ الإخوان من مصر محطة انطلاق نحو تحقيق ما يسمونها «أستاذية العالم»، وسخروا إمكانات الدولة لخدمة هذا الهدف، منطلقين مما أُطلق عليها «الأخونة»، وهى تمكين عناصر الجماعة من كل مؤسسات الدولة، ولكن الوعى لدى الشعب المصرى كان لهم بالمرصاد.
دور المؤسسات الوطنية فى كشف المخطط
لعبت الأجهزة الأمنية دورًا محوريًا فى كشف الكثير من الجرائم والمخططات التى تورط فيها عناصر الإخوان، وهو ما أفقدهم القدرة على تنفيذ أجندتهم التخريبية، فقد قامت الأجهزة الأمنية بحماية المجتمع وإحباط محاولات نشر الفوضى.
بعد ثورة 30 يونيو الشعبية التى شهدتها مصر، وجدت الدولة نفسها أمام تحديات أمنية غير مسبوقة بسبب تصاعد العنف الذى أطلقته جماعة الإخوان الإرهابية، حيث حاولت الجماعة المدعومة بأذرع متطرفة تنفيذ مخططاتها الإرهابية، التى استهدفت زعزعة استقرار البلاد، عبر تفجيرات واغتيالات وعنف مسلح، فى محاولة بائسة لإعادة فرض السيطرة عبر الفوضى، لكن فى هذه اللحظة الحرجة كانت وزارة الداخلية خط الدفاع الأول والأقوى، وتمكنت من توجيه ضربات استباقية حاسمة قلبت الموازين لصالح الأمن والاستقرار، اتسمت تلك الضربات بدقة معلوماتية عالية، اعتمدت على جهد كبير مكثف، وتنسيق متكامل بين مختلف الأجهزة الأمنية، إذ لم تكن المواجهة مجرد رد فعل على الأحداث، بل كانت خطة استباقية متكاملة تستهدف ضرب البنية التحتية الإرهابية قبل أن تتحرك أو تنفذ مخططاتها، هذا التكتيك أتاح لـ«الداخلية» ضبط عشرات الخلايا التى كانت تخطط لعمليات تفجير واغتيال وترويع للمواطنين، مما أسهم فى تقليل الخسائر وحماية أرواح الأبرياء، نجحت وزارة الداخلية فى تعقب تحركات العناصر الإخوانية المسلحة، التى لم تقتصر على عمليات عنف داخل المدن فقط، بل امتدت إلى مناطق خارج القاهرة وفى محافظات عدة.
كانت الضربات الاستباقية بمثابة رسائل واضحة للجماعات الإرهابية بأن الدولة لن تسمح بعودة العنف أو الفوضى مهما كلف الأمر، لم تكن هذه الضربات الأمنية مجرد عمليات ميدانية، بل شملت حملات أمنية موسعة، وتمشيطا للمناطق التى كانت تستخدم كمخابئ وملاجئ للعناصر الإرهابية، بالإضافة إلى تفكيك شبكات الدعم اللوجستى التى تمد هذه الجماعات بالسلاح والمال، وعملت الوزارة على استغلال التكنولوجيا الحديثة فى رصد الاتصالات وتتبع المشتبه فيهم، مما أضعف قدرات الجماعة فى التخطيط والتنفيذ، ولم تقتصر الضربات على مجرد القبض على العناصر المتورطة، بل توالت الاعترافات التى كشفت خطط الجماعة الإرهابية لتفجير منشآت حيوية واستهداف شخصيات سياسية وأمنية.
برزت وزارة الداخلية كشريك أساسى فى مسيرة البناء والتنمية التى أعقبت الثورة، لتقدم نموذجًا متكاملًا بين الأمن المجتمعى والجهود الاستخباراتية.
الجيش والشعب فى مواجهة المشروع الإخوانى
ثورة 30 يونيو قامت لتصحيح المسار، وإعادة الأمل للملايين من الشعب المصرى الذين رفضوا انتزاع مصر من هويتها وثقافتها، وتصدوا لكل محاولات أخونة الدولة المصرية.
أما القوات المسلحة، فقد كان لها دور مهم فى هذه الثورة، بعد الانحياز الكامل لاختيار الشعب، وحمايته ضد المخططات الإخوانية التى لم تمانع فى إراقة دماء المصريين فى مقابل الحفاظ على كرسى الحكم، وهو ما رفضته القوات المسلحة التى نزلت إلى الشوارع لحماية الإرادة الشعبية.
لقد مرت الدولة بمرحلة فارقة ومحورية من عمرها فى أعقاب ثورة 30 يونيو، التى ستظل خالدة لا تغيب عن أذهان الشعب المصرى، الذى انتفض مدافعًا عن أعز وأغلى مبادئه وهويته المصرية الأصيلة، ورفض محاولات اختطاف البلاد ونشر الفوضى، لتتمكن من الخروج من هذا الظلام بإصرار الشعب وإرادته، وبكفاءة وبطولة القوات المسلحة بقيادة الرئيس السيسى، والشرطة، وتكاتف جميع مؤسسات الدولة فى وجه الاحتكار والاستبداد، ثورة 30 يونيو كانت ثورة شعب حماها الجيش، التى أنقذت مصر من براثن قوى الشر بفضل يقظة المصريين ووعيهم، وانحياز القوات المسلحة بقيادة الرئيس السيسى- وزير الدفاع آنذاك- لرغبة وانتفاضة الشارع المصرى ضد محاولات سلب الوطن واختطافه، لتصبح أكبر الثورات فى التخلص من طغيان الجماعة الإرهابية وكتابة شهادة وفاتهم بالدولة المصرية.
مستقبل الدولة بعد إسقاط المشروع
ثورة 30 يونيو لم تكن فقط ضد حكم جماعة الإخوان، بل كانت ضد مشروع استهدف هوية مصر ووحدة شعبها، لقد كانت ثورة 30 يونيو إنقاذا وطنيا أعاد مصر إلى مكانها الطبيعى، قوية وآمنة ومستقرة، تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، استجاب الجيش المصرى، بقيادة الفريق أول عبدالفتاح السيسى آنذاك لإرادة الشعب، وتم عزل «مرسى» وتشكيل حكومة انتقالية، تم تصنيف الجماعة لاحقا كتنظيم إرهابى، وملاحقة قيادتها قضائيًا بعد تورطهم فى أعمال عنف وإرهاب، عادت مؤسسات الدولة للعمل بكفاءة بعيدًا عن الأدلجة، وتم إقرار دستور جديد يعكس تطلعات المصريين، بدأت الدولة تنفيذ خطط تنموية على مستوى البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والاقتصاد.
نهضة شاملة
عقب نجاح ثورة 30 يونيو فى إسقاط المشروع الإخوانى، قامت نهضة شاملة فى جميع المجالات، ومنها الأمن والاستقرار، حيث تم القضاء على البؤر الإرهابية فى سيناء، وتصفية عدد كبير من أخطر العناصر التكفيرية، وتأمين الحدود ومواجهة شبكات التهريب والإرهاب العابر للحدود، وإعادة بناء جهاز الشرطة ودعمه بالأدوات التكنولوجية الحديثة.
وفيما يتعلق بالاقتصاد، تم تنفيذ المشروع القومى للبنية التحتية من خلال شبكة طرق بطول آلاف الكيلومترات، وإطلاق مشروعات قومية كالعاصمة الإدارية الجديدة، ومحور قناة السويس، ومشروعات الطاقة والكهرباء.
كما جرى ويجرى جذب الاستثمارات وتوقيع اتفاقيات كبرى مع مؤسسات دولية، وتحقيق معدلات نمو إيجابية رغم التحديات العالمية.
وفيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، تم رفع الحد الأدنى للأجور وتحسين برامج الدعم، وتنفيذ مبادرات كبرى مثل «حياة كريمة» لتطوير الريف المصرى، والتوسع فى الإسكان الاجتماعى لتوفير سكن آمن لغير القادرين.
فيما يتعلق بالتعليم والصحة، تم تطوير المناهج الدراسية والاهتمام بالتكنولوجيا فى التعليم، وإنشاء جامعات حكومية وأهلية جديدة، وإطلاق مبادرات صحية كـ«100 مليون صحة»، والقضاء على فيروس سى.
وبذلك.. عادت مصر إلى مكانتها الطبيعية، قوية وآمنة ومستقرة، تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل.