لم تعد طائرات الدرونز مجرد أدوات عسكرية تستخدم في ساحات القتال البعيدة، بل تحولت إلى تهديد حقيقي يطرق أبواب القارة الأوروبية.
ففي حادثة غير مسبوقة، سقطت طائرة مسيرة روسية على مبنى سكني في مدينة جالاتي الرومانية، مما فتح الباب أمام تساؤلات مصيرية: هل تقترب رومانيا من الحرب مع روسيا؟ وهل سيفعل الناتو المادة الخامسة من ميثاقه الدفاعي؟ وفي الوقت نفسه، تستعد ألمانيا بخطة ضخمة لمواجهة أي طارئ، وكأن القارة تعود ببطء إلى أجواء الحرب الباردة.
أولاً: حادثة جالاتي.. درون روسي يضرب قلب رومانيا
في ليلة 28-29 مايو 2026، سقطت طائرة مسيرة من طراز "جيران-2" (النسخة الروسية من شاهد-136 الإيرانية) على مبنى سكني مكون من عشرة طوابق في مدينة جالاتي الرومانية، الواقعة على بعد حوالي سبعة كيلومترات من الحدود الأوكرانية .
وأصيب شخصين واندلاع خريق فى سطح المبنى ، وتدمير الشحنة المتفجرة للدروز بالكامل عند الاصطدام.
كيف حدث الاختراق؟
كشفت التحقيقات أن 43 طائرة مسيرة روسية كانت متجهة نحو رومانيا من الشرق، وأن الدفاعات الأوكرانية أسقطت إحداها فوق مدينة ريني الأوكرانية، مما أدى إلى تغيير مسار الدرون التي ضربت جالاتي .
سبب عدم إسقاط الدرون فكان صادمًا:
كان أربع دقائق فقط بين اكتشاف الدرون في المجال الجوي الروماني واصطدامه بالمبنى ، فالقانون الرومانى يمنع الجيش من إطلاق قذائق قد تدخل المجال الجوى الأوكرانى ، و كان القادة العسكريون يخشون أن يتسبب حطام عملية الاعتراض في أضرار أكبر مما تسببه الدرون نفسها .
ردود الفعل الرسمية
استدعت وزارة الخارجية الرومانية السفير الروسي، وأعلنت إغلاق القنصلية الروسية في كونستانتا وطرد القنصل الروسي باعتباره "شخصًا غير مرغوب فيه" . وصرحت وزيرة الخارجية المؤقتة أوانا تويسيو بأن بلادها تدرس تفعيل المادة الرابعة من ميثاق الناتو (التشاور بين الدول الأعضاء) .
الناتو
أمين عام الناتو مارك روته تعهد بـ"التضامن المطلق" مع رومانيا، مؤكداً أن "الناتو مستعد للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلف" . لكنه لم يشر إلى احتمال تفعيل المادة الخامسة (الدفاع الجماعي)، وهو ما لم يحدث إلا مرة واحدة في تاريخ الحلف بعد هجمات 11 سبتمبر .
روسيا
من حانب روسيا فقد طلب فلاديمير بوتين من رومانيا "إجراء تحقيق" واتهم أوكرانيا بأن دروناتها سبق أن اخترقت فنلندا وبولندا ودول البلطيق ، كما هدد دميتري ميدفيديف علنًا"هذه ليست المرة الأخيرة، على الدول الأوروبية أن تعتاد على ذلك" .
3 سيناريوهات متوقعة للحرب بين رومانيا وروسيا
السيناريو الأول: تصعيد دبلوماسي فقط
استنادًا إلى موقف الناتو الحذر، يرجح خبراء معهد دراسة الحرب أن الحلف سيكتفي بتعزيز الدفاعات الجوية على جناحه الشرقي، دون اللجوء إلى المادة الخامسة. فقد حدثت 28 انتهاكًا للمجال الجوي الروماني من قبل الدرونات الروسية منذ بدء الحرب، وسقط حطام درونات على الأراضي الرومانية 47 مرة، لكن حادثة غالاتي هي الأولى التي تسفر عن إصابات بشرية .
السيناريو الثاني: تفعيل المادة الرابعة
هذا السيناريو أكثر ترجيحًا. المادة الرابعة من ميثاق الناتو تسمح لأي دولة عضو باستشارة الحلف إذا شعرت أن سلامتها أو استقلالها مهدد. وقد تم تفعيلها ثلاث مرات خلال الحرب الأوكرانية (مرة من بولندا ومرة من إستونيا) .
السيناريو الثالث: الحرب المباشرة (الأقل احتمالاً)
تفعيل المادة الخامسة يتطلب قرارًا بإجماع الأعضاء، ويثبت أن الهجوم كان "متعمدًا" وليس عرضيًا. وبما أن روسيا تنفي المسؤولية، وبما أن الدرون كانت تستهدف أوكرانيا بالأساس، فإن هذا السيناريو يظل مستبعدًا في الوقت الراهن.
العقبات أمام الرد العسكري
يكمن التحدي الحقيقي في أن قواعد الاشتباك الحالية تحرم قوات الناتو من إسقاط الدرونات الروسية قبل دخول مجالها الجوي. ولهذا، يقترح معهد دراسة الحرب حلولاً جذرية: الاتفاق مع أوكرانيا ومولدوفا على الدفاع الجوي المشترك، بحيث يمكن اعتراض الدرونات الروسية قبل وصولها إلى الحدود .
ألمانيا تستعد للحرب.. "خطة XL" بعشرة مليارات يورو
بينما تراقب رومانيا السماء بخوف، تستعد ألمانيا للحرب ليس فقط عسكريًا، بل على مستوى الحماية المدنية، . فالاستعدادات الأخيرة تكشف عن قلق حقيقي من أن الحرب الأوكرانية قد تمتد إلى عقر دار أوروبا.
خطة "XL": الأرقام والأهداف
أعلن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت عن خطة حماية مدنية طموحة بتكلفة تصل إلى 10 مليارات يورو (حوالي 12 مليار دولار)
مكونات الخطة تشمل، الملاجئ وتحويل مواقف السيارات تجت الأرض والأنفاق ومحطات المترو إلى ملاجئ طوارئ ، والتطبيق الالكترونى NINA سيرشد المواطنين إلى أقرب ملجأ وأسرع طرق الإخلاء ، وأيضا شراء 1,000 سيارة طوارئ متخصصة ، و أسرة الإيواء 110,000 سرير ميداني بحلول 2029، وادخال التوعية بالدفاع المدني في المدارس.
من مخابئ الحرب الباردة إلى "الملاجئ اليومية"
تزخر ألمانيا حاليًا بـ 579 ملجأ فقط، تتسع لنحو 480 ألف شخص، أي حوالي 0.6% فقط من السكان.
التداعيات الاستراتيجية.. هل تعيد أوروبا رسم خرائط دفاعها؟
أقر القائد العام لقوات الناتو في أوروبا، الجنرال ألكسوس جرينكيويتش، بأن قوات الحلف تحتاج إلى إعادة تقييم عاجلة لقدراتها المضادة للدرونات
ميرتشيا جيوانا، نائب الأمين العام السابق للناتو، حذر من أن "نقص القدرات العسكرية والتكنولوجية وآليات الشراء المناسبة يخلق ثغرة خطيرة يجب سدها دون تأخير" .