يمر اليوم 28 عامًا على رحيل الشيخ محمد متولي الشعراوي، الذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم الموافق 17 يونيو عام 1998، ولكن لا تزال صورته حاضرة في وجدان ملايين المصريين والعرب، ليس فقط باعتباره أشهر مفسر للقرآن الكريم في العصر الحديث، ولكن أيضًا باعتباره أحد أكثر الدعاة قدرة على الاقتراب من الناس بمختلف فئاتهم واهتماماتهم.
ورغم أن اسم إمام الدعاة ارتبط في أذهان كثيرين باعتزال عدد من الفنانات وارتداء بعضهن الحجاب، حتى تصور البعض أنه كان يحرم الفن، فإن عشرات المواقف والوقائع تكشف وجهًا آخر للشعراوي، وجهًا أكثر رحابة وإنسانية، لدرجة أنه ذهب بنفسه إلى المسرح القومي لمشاهدة عرض مسرحي، وشجع بعض الفنانين على الاستمرار في التمثيل بعد اتخاذهم قرار الاعتزال.
عندما جلس الشعراوي في المسرح القومي
من أكثر المواقف التي تكشف حقيقة موقف الشعراوي من الفن، تلك التي رواها الفنان الكبير يوسف شعبان في حوار سابق لـ"اليوم السابع".
كان يوسف شعبان يشارك في بطولة مسرحية "دماء على ستار الكعبة" للشاعر فاروق جويدة، مع الفنانة الكبيرة سميحة أيوب، وفوجئ حين نظر إلى مقاعد الجمهور بمشهد لم يكن يتوقعه: الشيخ الشعراوي يجلس بين الحاضرين يتابع العرض من بدايته.
لم يصدق يوسف شعبان عينيه، خاصة أن الشائعات كانت تنتشر وقتها حول تحريم الشعراوي للفن وتشجيعه الفنانين على الاعتزال.
وبعد انتهاء العرض وإغلاق الستارة، أسرع يوسف شعبان وسميحة أيوب للسلام على إمام الدعاة، فوجداه يشيد بالمسرحية ويدعو لهما بالتوفيق.
ولم يفوّت يوسف شعبان الفرصة، فسأله مباشرة عن تلك الشائعات التي تلاحقه، فضحك الشيخ الشعراوي وأجاب بجملة لخصت فلسفته كلها تجاه الفن والفنانين.
قال إن الفنان الموهوب الواثق من موهبته لا يحتاج إلى شيخ يخبره إن كان يستمر أو يعتزل، ثم أطلق عبارته الساخرة الشهيرة: "لما تجيني فنانة مترددة وتسألني أعتزل وأتحجب؟ أقول لها اتحجبي واعتزلي.. على الأقل علشان أبعدها عنكم".
حسن عابدين.. من قرار الاعتزال إلى العودة للفن
ولم تكن كلمات الشعراوي مجرد آراء نظرية، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى مواقف عملية.
فالفنان الراحل حسن عابدين تعرض لموقف صعب أثناء أدائه العمرة، عندما منعه أحد الحراس في مسجد الرسول من الاقتراب قائلاً له: "ابعد من هنا أنت ممثل".
كانت الكلمات قاسية على الفنان الكبير، حتى إنه عاد مقتنعًا بأن مهنته لا ترضي الله، واتخذ قرارًا باعتزال التمثيل، لكن قبل تنفيذ القرار قصد الشيخ الشعراوي طالبًا النصيحة.
وكانت المفاجأة، حيث لم يشجعه إمام الدعاة على الاعتزال كما توقع، بل رفض الفكرة من أساسها، وأكد له أن الفن حلاله حلال وحرامه حرام، وأن الواجب ليس الهروب من الفن وإنما تقديم أعمال جيدة وهادفة تحارب الإسفاف والابتذال.
كانت تلك النصيحة سببًا في تراجع حسن عابدين عن قرار الاعتزال واستكمال مشواره الفني.
سهير البابلي.. الناس تسمع للفنان أكثر من الواعظ
أما الفنانة سهير البابلي فكانت تحرص على لقاء إمام الدعاة وسؤاله في أمور الدين. وبعد قرارها ارتداء الحجاب والابتعاد عن الفن، فوجئت خلال إحدى لقاءاتها معه بكلمات لم تكن تتوقعها.
قال لها: "وماله لو مثلتي وإنتي بالزي ده وتوصلي رسالة مفيدة وهادفة للناس.. الناس بتشوف التليفزيون أكتر ما بتروح الجامع، وممكن تسمع منك أكتر ما تسمع مني".
وهكذا لم يكن الشعراوي يرى الفن عدوًا للدين، بل وسيلة يمكن أن تحمل قيمًا ورسائل نافعة إذا أُحسن استخدامها.
وبعد سنوات عادت سهير البابلي بالفعل إلى التمثيل من خلال مسلسل "قلب حبيبة"، ملتزمة بالشروط التي وضعتها لنفسها.
شادية وسؤال الأموال الحرام
ومن الفنانات اللاتي لجأن إلى إمام الدعاة أيضًا الفنانة شادية. وبحسب رواية عبد الرحيم الشعراوي حفيد الشيخ، في حوار "اليوم السابع"، فإن علاقة شادية بالشعراوي بدأت خلال رحلة عمرة، ثم توطدت بعد ذلك.
وكان من أكثر الأسئلة التي شغلت الفنانة الكبيرة سؤال يتعلق بالأموال التي جمعتها طوال سنوات عملها بالفن. إذ أخبرها بعض الشيوخ أن هذه الأموال لا يجوز الاحتفاظ بها وعليها التخلص منها. لكن الشعراوي كان له رأي مختلف، فقد أفتاها بأن تحتفظ بما يكفل لها حياة كريمة ومستوى معيشة لائقًا، وأن تتصدق بما يزيد على احتياجاتها، وهي الفتوى التي منحتها قدرًا كبيرًا من الطمأنينة.
الست شمس
ولم يكن تعامل الشعراوي مع الفنانات قائمًا على الأحكام المسبقة أو النظرة المتعالية، فبحسب حفيده كان يستقبل الجميع بحفاوة واحترام، سواء كانوا فنانين أو غير فنانين.
وكان يحرص دائمًا على مخاطبة الفنانة المعتزلة شمس البارودي بلقب "الست شمس"، تقديرًا واحترامًا لها، وعندما سألته عن حكم النقاب لم يفرضه عليها ولم يرفضه، بل قال لها إن النقاب فضل وليس معلومًا من الدين بالضرورة، وإنه لا يفرض ولا يرفض، وكان يردد دائمًا أن هناك "شيوخ ترغيب" و"شيوخ ترهيب"، وأن الناس تحتاج إلى من يقربها من الله لا من يخيفها وينفرها.
لماذا بكى بسبب تحية كاريوكا؟
وربما كانت أكثر الحكايات تأثيرًا تلك التي جمعته بالفنانة تحية كاريوكا، ففي أواخر حياتها كانت تلجأ إليه وتسأله في أمور الدين بعد أن تعرفت عليه خلال أداء العمرة.
وعندما علم الشعراوي أن لديها نزاعًا على شقة مع طليقها، عرض أن يكلف محاميًا لاسترداد حقها، لكنه فوجئ برفضها، حيث قالت له إنها لا تريد أن تضيق على طليقها أو على زوجته وابنته، وإنها راضية بما لديها. تأثر الشعراوي بشدة بهذا الموقف الإنساني، وبكى قائلاً لها: "أنا غيران منك يا تحية لأن ربنا جعل لك قصورًا في الجنة".
زيارة لإنقاذ عماد حمدي من الاكتئاب
ومن المواقف الإنسانية التي لا يعرفها كثيرون أيضًا، حرص الشعراوي على زيارة الفنان الكبير عماد حمدي في منزله عندما علم بإصابته بالاكتئاب في سنواته الأخيرة بعد وفاة شقيقه التوأم وفقدانه البصر.
وبحسب رواية نجله نادر عماد حمدي في حوار "اليوم السابع"، فوجئ عماد حمدي بطرقات على الباب، وعندما فتح وجد الشيخ الشعراوي أمامه، حيث ذهب ليخفف عن رجل يمر بأزمة إنسانية قاسية. جلس معه وتحدث إليه محاولًا إخراجه من عزلته وحزنه.
بين الفن والدين
تكشف هذه الحكايات وغيرها أن الصورة الشائعة عن الشيخ الشعراوي لم تكن كاملة. فالرجل الذي ارتبط اسمه باعتزال بعض الفنانات لم يكن عدوًا للفن، ولم يكن ينظر إلى الفنانين باعتبارهم خارجين عن الدين أو بعيدين عن رحمة الله. كان أكثر انشغالًا بالإنسان نفسه، وبالرسالة التي يقدمها، وبالقيم التي يحملها عمله.
لذلك لم يكن غريبًا أن نجده جالسًا بين جمهور المسرح القومي، أو ناصحًا لفنان بالاستمرار في عمله، أو باكيًا تأثرًا بموقف إنساني لفنانة، أو زائرًا لفنان مريض يحاول أن يخفف عنه أوجاعه. وربما لهذا السبب ظل الشعراوي حاضرًا في قلوب الناس بعد رحيله، لأنه لم يكن فقط شيخًا يفتى، بل إنسانًا عرف كيف يقترب من البشر ويفهمهم قبل أن يحكم عليهم.