سقط مشروع جماعة الإخوان الإرهابية، لكن ماكينة الدعاية التابعة لها لم تتوقف، بل أعادت إنتاج خطابها بما يتناسب مع واقع الهزيمة. فبعد سنوات من الترويج لما وصفته بـ"التمكين" والسيطرة على مفاصل الدولة، تحولت الجماعة إلى خطاب يملؤه التباكى الإعلامى، ومحاولات استجداء التعاطف، والترويج لروايات المظلومية، فى محاولة لإخفاء حقيقة الانهيار الذى أصاب التنظيم، بعدما تكشفت أزماته الداخلية، وتصاعدت خلافات قياداته، وتهاوت الشعارات التى خدعت بها أنصارها لعقود.
ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير فى اللغة، بل عكس انهيارًا كاملاً فى المشروع الذى سوقت له الجماعة باعتباره طريقًا للوصول إلى السلطة والبقاء فيها. فكلما تراجعت قدرتها على الحشد والتأثير، لجأت إلى تبديل خطابها، لتنتقل من الحديث عن "التمكين" إلى البكاء على ما تصفه بـ"الاضطهاد"، متجاهلة أن أزماتها بدأت من داخلها، بفعل الصراعات والانقسامات والتنافس على النفوذ والتمويل.
من حلم السيطرة إلى واقع الانهيار
عندما وصلت الجماعة إلى الحكم، تحدثت قياداتها بثقة عن مشروع طويل الأمد لإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة، وروجت لأنصارها أن ما جرى ليس سوى بداية لمرحلة جديدة من "التمكين". لكن هذا الخطاب سرعان ما انهار مع سقوط حكمها، لتجد الجماعة نفسها أمام واقع مختلف تمامًا، فقدت فيه قدرتها على التأثير، وتبددت رهاناتها السياسية.
ومنذ ذلك الوقت، اختفى خطاب الثقة والانتصار، وحل محله خطاب يبرر الفشل، ويلقى بالمسؤولية على الآخرين، بينما تجاهلت الجماعة مراجعة الأخطاء التى دفعت بها إلى هذا المصير.
المظلومية.. الملاذ الأخير
أدركت الجماعة أن شعاراتها القديمة لم تعد تجد صدى، فاتجهت إلى الاستثمار فى خطاب المظلومية، وتحويل منصاتها الإعلامية إلى أدوات لإثارة العواطف، بدلاً من تقديم مراجعات حقيقية لتجربتها.
وباتت الرسائل الإعلامية الصادرة عن أبواقها تعتمد على تصوير التنظيم باعتباره ضحية دائمة، مع تجاهل الخلافات التى عصفت بقياداته فى الخارج، والانقسامات التى مزقت صفوفه، والاتهامات المتبادلة بشأن الأموال وإدارة المنصات الإعلامية.
خطاب يتبدل وفق المصالح
يكشف تطور الخطاب الإخوانى أن الجماعة لا تتمسك بشعارات ثابتة، وإنما تبدل مواقفها كلما تغيرت الظروف. فعندما اعتقدت أنها تقترب من السلطة، تحدثت عن القوة والتمكين، وعندما فقدت هذا النفوذ، استبدلت تلك الشعارات بخطاب الشكوى واستجداء التعاطف، فى محاولة للحفاظ على ما تبقى من قواعدها.
وهذا التناقض يؤكد أن الخطاب الإخوانى تحكمه حسابات المصلحة، وليس المبادئ التى طالما ادعت الجماعة أنها تدافع عنها.
الانقسامات فضحت الحقيقة
الخلافات التى تفجرت بين جبهات الجماعة فى الخارج، وتبادل الاتهامات بين قياداتها بشأن النفوذ والتمويل، كشفت أن التنظيم يعيش واحدة من أسوأ مراحله. وتحولت المنصات التى كانت تزعم توحيد الصف إلى ساحات للصراع وتصفية الحسابات، بينما تراجعت قدرة الجماعة على إقناع حتى قطاع من مؤيديها السابقين.
محاولة يائسة للهروب من الفشل
ورغم استمرار الجماعة فى إطلاق حملات إعلامية ومحاولات إثارة الرأى العام، فإن تبديل الشعارات لم يغير من الواقع شيئًا. فالتنظيم الذى باع لأنصاره حلم "التمكين" وجد نفسه غارقًا فى أزمات متلاحقة، وأصبح التباكى الإعلامى وسيلته للهروب من الاعتراف بأن مشروعه السياسى سقط، وأن الانقسامات والصراعات الداخلية وجهت إليه ضربات لم تنجح كل حملات الدعاية فى إخفائها.