مع اقتراب ماراثون الثانوية العامة، تتحول الكنائس القبطية في مختلف الإيبارشيات إلى ساحات للصلاة والرجاء، حيث تتجمع الأسر والطلاب أمام المذابح طلبًا للمعونة الإلهية في واحدة من أهم المحطات التي يمر بها الشباب المصري. فالثانوية العامة لم تعد مجرد امتحانات دراسية، بل أصبحت مرحلة مفصلية تحمل أحلام الأسر وطموحات الأبناء، وهو ما يدفع الكنيسة إلى مرافقة أبنائها روحيًا ونفسيًا خلال هذه الفترة الحساسة.
وعلى مدار السنوات، اعتادت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تنظيم قداسات خاصة لطلبة الثانوية العامة، تتخللها صلوات وتضرعات وكلمات تشجيعية من الآباء الأساقفة والكهنة، بهدف منح الطلاب جرعة من الطمأنينة والثقة قبل دخول لجان الامتحانات. وفي هذا العام، شهدت عدة إيبارشيات إقامة قداسات خاصة للطلاب، تأكيدًا على اهتمام الكنيسة بأبنائها وحرصها على دعمهم في رحلة الاجتهاد والنجاح.
قداسات خاصة بإيبارشية الزقازيق ومنيا القمح
في إطار هذا الاهتمام الرعوي، صلى نيافة الأنبا تيموثاوس أسقف الزقازيق ومنيا القمح قداسًا خاصًا لطلبة الثانوية العامة من أبناء مدينة منيا القمح وقراها بكنيسة الشهيد مار جرجس بمنيا القمح، وذلك بمشاركة عدد من الآباء الكهنة.
وخلال القداس، رفعت الصلوات من أجل أن يمنح الله الطلاب الحكمة والتركيز والقدرة على اجتياز الامتحانات بسلام، كما حرص نيافة الأنبا تيموثاوس على تقديم كلمات أبوية مشجعة للطلاب والطالبات، دعاهم خلالها إلى الجمع بين الاجتهاد الدراسي والثقة في معونة الله، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي يبدأ من الالتزام والعمل الجاد.
كما صلى نيافته قداسًا آخر لطلبة الثانوية العامة من أبناء مدينة الزقازيق وقراها في كاتدرائية السيدة العذراء والقديس مار يوحنا، مقر المطرانية، حيث شارك مئات الطلاب وأسرهم في الصلوات التي اتسمت بأجواء روحية مميزة، واختتم اللقاء بالتقاط الصور التذكارية مع الطلاب وسط أجواء من الفرح والرجاء.
الأنبا رافائيل والأنبا إيلاريون يشاركان الطلاب صلوات الامتحانات
ولم يقتصر الاهتمام الرعوي على إيبارشية الزقازيق فقط، بل امتد إلى عدد من الإيبارشيات والمناطق الكنسية الأخرى، حيث شهدت بعض الكنائس إقامة قداسات خاصة لطلبة الثانوية العامة بحضور نيافة الأنبا رافائيل، الأسقف العام السابق لكنائس وسط القاهرة، الذي شارك أبناء الكنيسة صلواتهم وتضرعاتهم من أجل فترة الامتحانات.
كما أقيم قداس خاص لطلاب الثانوية العامة بكنائس منطقة شمال البحيرة بحضور نيافة الأنبا إيلاريون أسقف الإيبارشية، في مشهد يعكس اهتمام الكنيسة المستمر بالأجيال الجديدة وحرصها على أن يشعر كل طالب بأن الكنيسة تقف إلى جواره في هذه المرحلة المهمة.
وتحمل هذه القداسات رسالة واضحة مفادها أن الكنيسة لا تهتم فقط بالجوانب الروحية التقليدية، بل تتابع أيضًا التحديات اليومية التي يواجهها أبناؤها، وتسعى إلى تقديم الدعم النفسي والمعنوي لهم، خاصة في الأوقات التي تتزايد فيها الضغوط والتوترات المرتبطة بالامتحانات.
صلوات وتضرعات.. ميراث روحي يرافق الأجيال
وترتبط الذاكرة القبطية على مر العقود بصلوات خاصة كان يلجأ إليها الطلاب وأسرهم خلال مواسم الامتحانات، ومن أشهرها الصلوات المنسوبة إلى القديس البابا كيرلس السادس، الذي ارتبط اسمه في وجدان الأقباط بالإيمان العميق والتضرع المستمر.
ومن بين أكثر الصلوات انتشارًا بين الطلاب صلاة ما قبل المذاكرة والامتحان، والتي تبدأ بالشكر لله وطلب المعونة الإلهية والحكمة والفهم، مع التضرع من أجل الهدوء والتركيز والثبات أثناء أداء الامتحانات.
كما لا تزال كلمات قداسة البابا شنودة الثالث حاضرة في ذاكرة كثيرين، خاصة صلاته الشهيرة من أجل الطلاب، والتي كان يشجعهم من خلالها على الاتكال على الله مع بذل أقصى جهد ممكن في الدراسة، مؤكدًا أن الإيمان الحقيقي لا يتعارض مع الاجتهاد، بل يدفع إليه ويمنحه معنى أعمق.
ويحرص العديد من الطلاب حتى اليوم على ترديد هذه الصلوات قبل دخول الامتحانات، باعتبارها مصدرًا للسلام الداخلي والطمأنينة في مواجهة القلق والخوف من النتائج.
الثانوية العامة في ذاكرة الكنيسة.. نجاح تصنعه الصلاة والعمل
ورغم تغير المناهج والأزمنة وأشكال الامتحانات، تبقى الثانوية العامة واحدة من أكثر المراحل تأثيرًا في حياة الشباب المصري، ولذلك تحظى باهتمام خاص داخل الكنيسة القبطية التي ترى في أبنائها مستقبل المجتمع والوطن.
وتكشف قصص العديد من الشخصيات الكنسية الكبرى عن تجارب إنسانية مشابهة عاشوها خلال سنوات الدراسة، حيث واجهوا التحديات والضغوط نفسها التي يعيشها الطلاب اليوم، قبل أن يصبحوا لاحقًا قادة روحيين تركوا بصمات بارزة في تاريخ الكنيسة.
ومن هنا تأتي أهمية الرسالة التي تسعى الكنيسة إلى غرسها في نفوس الطلاب خلال هذه الفترة، وهي أن النجاح لا يتحقق بالصلاة وحدها ولا بالمذاكرة وحدها، بل بالجمع بين العمل الجاد والإيمان والثقة بالله. فالصلاة تمنح الإنسان السلام والقوة، بينما يمنحه الاجتهاد القدرة على تحقيق أحلامه وأهدافه.
ومع اقتراب موعد الامتحانات، تتجدد مشاهد القداسات الخاصة والصلوات الجماعية في الكنائس القبطية، لتؤكد أن أبناء الثانوية العامة ليسوا وحدهم في هذه الرحلة، بل تحيطهم صلوات أسرهم وكنيستهم ومحبة مجتمع كامل يتمنى لهم مستقبلًا مشرقًا ونجاحًا يليق بأحلامهم وطموحاتهم.