تعد ثورة 30 يونيو 2013 لحظة فاصلة في تاريخ الدولة المصرية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضا في طبيعة العلاقة بين الإخوان والمؤسسات الوطنية والدينية التي دعمت مطالب المصريين بالتغيير، فمع إعلان خارطة الطريق في 3 يوليو 2013، دخلت الجماعة في صدام واسع مع عدد من مؤسسات الدولة، كان من أبرزها مؤسسة الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، اللتان تعرضتا لحملات هجوم وتحريض غير مسبوقة بسبب مواقفهما المؤيدة لخارطة المستقبل التي أُعلنت استجابة للمطالب الشعبية.
الأزهر في مرمى هجوم الجماعة
عندما وقف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب إلى جانب ممثلي القوى الوطنية والدينية والسياسية خلال إعلان خارطة الطريق في يوليو 2013، اعتبرت جماعة الإخوان هذا الموقف انحيازا ضدها، ومنذ ذلك الوقت، تعرض الأزهر وشيخه لحملات انتقاد وهجوم مكثفة عبر المنصات الإعلامية التابعة للجماعة وقياداتها داخل مصر وخارجها.
وشهدت تلك الفترة صدور بيانات وتصريحات من شخصيات محسوبة على الجماعة هاجمت الأزهر وقياداته بسبب دعمهم لخارطة الطريق، فيما تم تداول دعوات للتشكيك في المؤسسة الدينية الأعرق في العالم الإسلامي ومحاولة النيل من دورها الوطني والتاريخي.
ورغم الضغوط، تمسك الأزهر بموقفه المعلن الداعي إلى الحفاظ على الدولة الوطنية ومنع الانزلاق نحو الفوضى والعنف، مؤكدا أن موقفه انطلق من مسؤولياته الوطنية والدينية في لحظة فارقة من تاريخ البلاد.

الشيخ أحمد الطيب
الكنيسة المصرية ودعم الإرادة الشعبية
لم يكن موقف الكنيسة المصرية بعيدا عن المشهد، حيث شارك البابا تواضروس الثاني في إعلان خارطة الطريق، وهو ما جعل الكنيسة هدفا مباشرا لحملات التحريض التي أعقبت عزل محمد مرسي، وبعد الثورة تعرضت عشرات الكنائس والمنشآت القبطية لأعمال عنف واسعة النطاق في عدد من المحافظات المصرية، خاصة في صعيد مصر.

البابا تواضروس
موجة غير مسبوقة من استهداف الكنائس
وثقت تقارير حقوقية وإعلامية محلية ودولية تعرض عشرات الكنائس والمدارس والجمعيات والممتلكات القبطية للحرق أو التخريب أو الاعتداء خلال أعمال العنف التي أعقبت فض الاعتصامات في أغسطس 2013، حيث مثلت هذه الأحداث إحدى أكبر موجات استهداف الكنائس في تاريخ مصر الحديث، شملت الاعتداءات دور عبادة ومنشآت خدمية وتعليمية تابعة للكنائس في محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج والفيوم وبني سويف وغيرها، ووثقت تقارير حقوقية تعرض 45 كنيسة لهجمات متزامنة، بينها 25 كنيسة أُحرقت بالكامل و7 تعرضت للنهب والتدمير و5 لأضرار جزئية.
وأكدت الدولة المصرية في ذلك الوقت أن تلك الاعتداءات جاءت في سياق أعمال عنف منظمة استهدفت مؤسسات الدولة وممتلكات المواطنين، فيما أدانت الكنائس المصرية ومنظمات حقوقية عديدة هذه الأعمال باعتبارها اعتداء على النسيج الوطني المصري.
خطاب التحريض والانقسام
أخطر ما واجهته مصر خلال تلك المرحلة لم يكن فقط أعمال العنف المادية، بل أيضا محاولات بث الانقسام بين أبناء الوطن الواحد، حيث شهدت الفترة التي أعقبت ثورة 30 يونيو تصاعدا في خطاب التخوين والتحريض ضد شخصيات ومؤسسات دينية ووطنية أيدت خارطة الطريق، وهو ما ساهم في زيادة حدة الاستقطاب داخل المجتمع.
وفي المقابل، تمسكت المؤسسات الدينية الرسمية بخطاب يدعو إلى الوحدة الوطنية ونبذ العنف، وأكد الأزهر والكنيسة في أكثر من مناسبة أهمية الحفاظ على السلم المجتمعي ورفض أي محاولات لإشعال الفتنة أو تقسيم المصريين على أسس دينية أو سياسية.

الإخوان
الدولة تواجه العنف وتحافظ على الوحدة الوطنية
ومع تصاعد أعمال العنف، اتخذت الدولة إجراءات أمنية وقضائية لملاحقة المتورطين في الاعتداءات على دور العبادة والمنشآت العامة والخاصة، كما أطلقت برامج لإعادة ترميم الكنائس والمنشآت التي تعرضت للتخريب والحرق، في رسالة تؤكد تمسك الدولة بمبدأ المواطنة وحماية جميع دور العبادة.
وبعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، لا تزال وقائع استهداف الكنائس والهجوم على الأزهر حاضرة في الذاكرة الوطنية باعتبارها واحدة من أخطر محطات الصدام التي شهدتها مصر عقب ثورة 30 يونيو، كما تستحضر تلك الوقائع بوصفها دليلا على حجم التحديات التي واجهت مؤسسات الدولة والمجتمع خلال مرحلة اتسمت بالاستقطاب الحاد ومحاولات زعزعة الاستقرار.
وتبقى تجربة تلك السنوات شاهدا على أهمية الدور الذي لعبته المؤسسات الدينية الوطنية في دعم استقرار الدولة والحفاظ على وحدة المجتمع المصري، في مواجهة دعوات العنف والانقسام التي كادت أن تعصف بالنسيج الوطني لولا تماسك مؤسساته وإرادة شعبه.