تأتي ذكرى الثلاثين من يونيو لتطرق أبواب الذاكرة الوطنية من جديد، حاملة معها تفاصيل العام الأطول في تاريخ مصر الحديث، ذلك العام الذي تحولت فيه الدولة العريقة بكافة مؤسساتها إلى ساحة صراع بين منطق "شبه الدولة" الذي حاولت الجماعة فرضه، ومنطق القانون والسيادة الذي دافع عنه المصريون حتى النفس الأخير.
اليوم، وإذ تمر السنوات، نفتح ملف "الفيش والتشبيه" التاريخي لقادة هذا التنظيم؛ ليس من قبيل التشهير السياسي، بل من واقع محاضر التحقيق، وسجلات المحاكم، وصكوك الإدانة التي طالت الهرم الإخواني من رأسه المتمثل في المرشد ومكتب الإرشاد، وصولاً إلى أدق قواعده المنفذة في القرى والنجوع.
لم يكن السقوط وليد الصدفة، بل كان نتيجة حتمية لمعركة كسر عظام بدأتها الجماعة مبكراً ضد حصن الهوية المصرية وهو "القانون".
وتبدأ الحكاية من ذلك المساء الخريفي في نوفمبر من عام ألفين واثني عشر، عندما خرج الإعلان الدستوري المكبل للحريات، والذي أصدره محمد مرسي ليتوج به نفسه فرعوناً فوق المساءلة والمحاسبة.
في تلك اللحظة، لم يكن القرار مجرد مناورة سياسية، بل كان إعلاناً صريحاً للحرب على القضاء، وعزل النائب العام المستشار عبد المجيد محمود بطريقة مهينة خالفت كل الأعراف الدستورية، وتحصين قرارات الرئيس من أي طعن قضائي.
كان ذلك المشهد هو الشرارة الأولى التي جعلت رجل الشارع البسيط يدرك أن المنظومة القضائية التي يحتمي بها باتت في مرمى النيران، وأن هدم القضاء هو الخطوة الأولى لتمكين التمكين بالمعنى الحرفي.
هذا التغول على القانون فتح الباب على مصراعيه لتبدل كامل في بنية الجريمة السياسية بمصر، فبالانتقال إلى قائمة الاتهامات والجرائم التي حواها "الفيش والتشبيه" الجنائي لقيادات مكتب الإرشاد، نجد أننا أمام تنظيم أدار البلاد بعقلية العصابة لا الدولة.
فمن المرشد العام محمد بديع، إلى مهندس التنظيم وخزائنه الحية خيرت الشاطر، وصولاً إلى المتحدثين والمنظرين، تحولت أسماؤهم في دفاتر النيابة العامة إلى قواسم مشتركة في قضايا التخابر مع جهات أجنبية، والتحريض على القتل البشع، وتدبير عمليات التخريب الممنهج.
ولم تكن دماء الشهداء أمام قصر الاتحادية في ديسمبر ألفين واثني عشر إلا أول غيث السقوط؛ إذ كشفت التحقيقات كيف صدرت الأوامر المباشرة من قيادات مكتب الإرشاد للأنصار بالنزول وفض اعتصام القوى المدنية بالقوة والتعذيب وسحل المواطنين على أسوار القصر الرئاسي، في مشهد صدم الوجدان الجمعي للمصريين.
ولم يقف قطار الجرائم عند حدود القيادة؛ فالخطورة الحقيقية كشفتها قضايا الصف الثاني والقواعد التنفيذية في المحافظات، أولئك الذين جرى شحنهم بأفكار المظلومية والجهاد المزعوم، فتحولوا في غضون أسابيع إلى خلايا نائمة ومستيقظة تقطع الطرق، وتفجر أبراج الكهرباء، وتزرع العبوات البدائية في مسارات القطارات ومحيط الجامعات.
إن جرد القضايا التي نظرتها المحاكم يظهر بوضوح كيف تحولت قواعد التنظيم إلى أدوات تخريبية لضرب الاقتصاد القومي وإثارة الرعب في نفوس الآمنين، بناءً على فتاوى شرعية معلبة أنتجتها عقول مريضة داخل الغرف المغلقة لمكتب الإرشاد، توهمهم بأن إسقاط الدولة هو نصرة للدين.
تأتي هذه الذكرى اليوم لتقف شاهداً على عظمة القضاء الذي لم ترهبه محاصرة المحكمة الدستورية العليا، ولم تثنه التهديدات بالاغتيال والمعزولات الدستورية.
لقد خط القضاة بأحكامهم الباتة السيرة والمسيرة الجنائية لتنظيم دولي، واضعين النقاط فوق الحروف بالدليل والبرهان المستمد من تقارير الأمن، وتسجيلات اللقاءات السرية، وفحص المراسلات المشفرة.
إن قائمة "الفيش والتشبيه" لقادة الإخوان اليوم هي الوثيقة الحية التي تقرأها الأجيال لتدرك حجم الخطر الذي كاد يعصف بالوطن، وكيف نجت مصر في الثلاثين من يونيو بفضل وعي شعبي جارف وقوات مسلحة انحازت لإرادة هذا الشعب، لتعيد للبلاد هيبتها، وللقانون قدسيته، وللقضاء استقلاله الشامخ بعد عام من الرماد.